بالرغم من أن وقوع احتكاك ما، أميركي ـ إيراني، في مياه الخليج؛ لم يكن خارج التوقعات والاحتمالات؛ إلا أن حصوله حرك تخوفات وخلق حالة من الترقب المتوجّس. الحادثة التي دارت فصولها على مدى نصف ساعة، أمس الأول، بين زوارق عسكرية إيرانية وبين بوارج حربية أميركية؛ عند مضيق هرمز؛ رفعت من منسوب الخشية والتوتر. صبّ في هذا المجرى، سقوط طائرتين عسكريتين أميركيتين، بعد وقت قصير من الحادثة؛ في مياه الخليج.
التطوران منفصلان، حسب المصادر المعنية. مع ذلك زاد تزامنهما من علامات الاستفهام والتساؤل؛ ليس فقط حول ما حصل، بل أيضا حول ما إذا كان لهذه التطورات من تداعيات لاحقة. خاصة وان توقيتها يعطيها مدلولات تنطوي على احتمالات من هذا النوع. وكذلك وقائعها، التي كادت أن تشعل شرارة مواجهة بحرية. لكن الشروحات التي أعقبت الحادثة هدأت الأجواء وسكبت بعض الماء البارد عليها.
وزارة الخارجية الإيرانية وضعتها في خانة «الحالة المماثلة لحالات سابقة وهي مسألة معتادة وطبيعية»؛ وذلك بحكم التواجد العسكري البحري للجانبين في الخليج. كما بحكم المناخ المأزوم الذي يحكم علاقتهما. كذلك قالت الخارجية الأميركية إن التحذير الذي صدر عن البيت الأبيض يندرج في خانة «توضيح السياسة» الأميركية تجاه طهران.
هذا التخفيف من الجانبين أضفى شيئاً من التطمين بأن العملية ربما كانت من الصنف العابر، وانه لم يكن المراد منها سوى نقل رسائل متبادلة، أراد كل طرف إيصالها إلى الآخر؛ عشية وصول الرئيس بوش إلى المنطقة، في زيارة لمدة أسبوع. لكن المشكلة، بل الخطورة، هنا أن بعث الرسائل من خلال هذا الأسلوب؛ وفي ضوء الخلفية المعروفة وحالة التصعيد القائمة بين طهران وواشنطن؛ ينطوي على مجازفة خطيرة. هو أشبه باللعب بعيدان الثقاب قرب برميل بارود.
الأجواء في المنطقة إجمالاً سريعة العطب، وهي مشبعة بالاحتقان، بين العاصمتين بالذات، وفي مثل ظروف ومعطيات كهذه تكون القدرة على التحكم، بالفعل أو ردود الفعل، غير مضمونة مهما كانت حساباتها دقيقة تبقى مفتوحة على سوء التقدير.
أو على المبالغة في الرد عليها والتعاطي معها، وحتى لو كان في الأمر، عملية جس نبض لا أكثر؛ فإنه يبقى محفوفاً بخطر الانزلاق والخروج عن السيطرة. لاسيما وأنه لا يجوز استبعاد احتمالات الاستدراج ونصب الأفخاخ.
كل السيناريوهات واردة. وحتى المصادفة، في مثل هذه الحالة، لا تخلو من الخطر. كل اقتراب من خطوط التماس أو التخوم، يحمل معه مجازفته.
السوابق تنطق بذلك. في شهر ابريل الماضي، عندما وقعت أزمة البحارة البريطانيين في أعلى الخليج؛ أخذ الوضع شحنة كبيرة من التوتر؛ كان يمكن أن يؤدي إلى عواقب غير معروفة؛ لو لم يصر إلى البحث عن مخرج بالتفاوض لها.
هذه المرة وقع الاحتكاك في جنوب الخليج وعند أشد مواقعه حساسية، مضيق هرمز، بوابة المنطقة وإمداداتها النفطية، وهو ما أضفى على الحادثة أهمية خاصة. حتى ولو لم تكن المنطقة في الأحوال الأمنية الهشة التي تعيشها. فكيف الأمر وهي في أوضاع لا تقوى على احتمال أي لعب في النار؟
مياه الخليج مزدحمة بالبوارج والترسانات، قدر ما هي مزدحمة بناقلات النفط والبواخر التجارية، ويزيد الطين بلة أن هذه الحشود تتعايش في ظل خطاب تصعيدي وأحياناً ناري؛ في لهجته. الأمر الذي يجعل من اجتناب الوقوع في أي خطأ أو تسرع مسألة واجبة الوجوب. وإلا فإن البديل معروف ولن ينجو من شره أحد.
