فرص نجاح الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي جورج بوش إلى المنطقة في الأيام المقبلة تعتمد بشكل كبير على تهيئة مناخ سياسي ملائم لتحقيق تقدم في الهدف الرئيسي وهو تحويل التعهدات والالتزامات السياسية التي تم الإعلان عنها في مؤتمر أنابوليس وفي عدة مبادرات سلام إلى إجراءات ملموسة مرتبطة بفترة إنجاز زمني نحو تحقيق الدولة الفلسطينية.
ما يحدث حاليا في الأراضي الفلسطينية من تصعيد إسرائيلي وحشي في قطاع غزة لا يهدف إلى كسر صمود الشعب الفلسطيني فهذا الوهم جربه الإسرائيليون ولم ينفعهم ولكن الهدف الرئيسي هو محاصرة الفلسطينيين للرد العسكري تأهبا لاستعادة الخطاب الإسرائيلي الذي كان يعفيها من مغبة اي التزام نحو السلام وهو خطاب التحذير من خطر المقاومة الفلسطينية ووضع إسرائيل نفسها في موقع الضحية وخلق دراما إعلامية تركز على "خطر" محدق بالإسرائيليين لا على الاحتلال الوحشي الذي يدفع ثمنه الشعب الفلسطيني منذ عقود.
وفي هذا السياق يمكن لإسرائيل أن تستفيد من الكثير من المساعدة الإقليمية المتمثلة في تصرفات غير مسؤولة مثل الصدام البحري اللاسلكي الذي تم بين البحرية الإيرانية والأميركية ، وهو الصدام الذي سيزحف على كل وسائل الإعلام العالمية ليجعل من زيارة بوش مهمة لحشد التأييد العربي ضد "الخطر الإيراني" بدلا من العمل بجدية على إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني والتي تشكل جوهر الصراع في المنطقة ، والذي لن ينتهي إلا بانتهاء هذه المعاناة وحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه السياسية الكاملة وفق الشرعية الدولية.
الفرصة ما زالت قائمة أمام الرئيس الأميركي لإصلاح الكثير من الضرر الذي تسببت به سياساته في المنطقة طوال السنوات السبع الماضية. الرئيس بوش يعرف بأن العد التنازلي قد بدأ لبقائه في البيت الأبيض وهو قادر على اختيار واحد من طريقين ليمشي به في الأشهر القليلة المقبلة:
الطريق الأول هو العمل على تحقيق "الرؤية" التي أعلنها عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ، وهو للانصاف التاريخي الرئيس الأميركي الأول الذي يعلن ذلك وهذا ممكن من خلال مواصلة الالتزام بالمبادئ التي تم الإعلان عنها في أنابوليس وما قبله من مبادرات مثل خريطة الطريق والمبادرة العربية.
المسار الثاني للرئيس بوش هو مواصلة سياسة نزف الدماء في المنطقة وتعريض شعوبها ومستقبلها إلى المزيد من المخاطر من خلال زيادة الحشد السياسي والتهيئة لعمل عسكري ضد إيران ستكون عواقبه وخيمة على المنطقة ومستقبلها ، ولذلك من المهم أن يستمع الرئيس الأميركي إلى صوت المنطق والتقييم الناجم عن "آلاف الأخطاء التكتيكية" والتي عبرت عنها وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ومن المفترض أن لا يستمر تكرارها في الأشهر المقبلة.
ما يحدث من مجزرة مفتوحة في غزة مجرد مثال آخر على انعدام الرغبة والإرادة الإسرائيلية في سلام حقيقي وهذا ما يترك المسؤولية كبيرة أمام الرئيس الأميركي ليمارس نوعا من الضغط السياسي القادر على لجم العدوان الإسرائيلي.
العدوان الإسرائيلي وجرائمه اليومية تجعل القناعة العربية والفلسطينية بالسلام ضعيفة تماما من حيث المبدأ وتجعل تشكيل لجنة لجنة فلسطينية - اسرائيلية لمناقشة القضايا الرئيسية للصراع لتبدأ عملها بعد زيارة بوش مجرد عرض إعلامي يفتقر إلى الجدية.
من الضروري أن يحصل الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية على دعم عربي متماسك لهدف بناء الدولة الفلسطينية من خلال العمل على وقف الجرائم الإسرائيلية وتدميرها المنهجي لكل أسس عملية السلام ومصداقيتها سواء الاعتداءات العسكرية أو الاستمرار في الاستيطان ، وهذا الدعم العربي سيكون ورقة تفاوضية مهمة للفلسطينيين لها تأثير ايضا على مدى الجدية الأميركية في الالتزام بتحقيق أهداف مؤتمر أنابوليس وأولها قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
