على الرغم من سعادتنا بما حققته دولة الإمارات من تنمية ومن انجازات أصبح يشار لها بالبنان إلا أننا في لحظات نتوقف فيها للتقييم والمراجعة نجد أن إيقاع الحياة الذي نسير عليه سريع ومثقل لاسيما في يوم العمل الذي نقضيه مع رغبات كبيرة في زيادة الإنتاج والتقدم خطوات أكثر في مجال التنمية والتطور.

ولا يهمنا في ساعات العمل الثماني أو التسع أو الأكثر من ذلك ما تتعرض له أجسادنا وعقولنا من إرهاق وإجهاد بات جزءا منها بعد اعتيادها عليه،لا نبالغ في تصوير هذه المعاناة التي سرقت وانتزعت أشياء جميلة كنا ننعم بها في السابق ولم يعد هناك الكثير المتاح منها.

فغالبيتنا يؤكد على أن طبيعة العمل في الدولة غيرت طبيعتنا وقتلت الكثير من هواياتنا، وانتزعت الكثير من القيم التي تربينا عليها لاسيما تلك القيم المتصلة بالحياة الاجتماعية وواجب التزاور وصلة الأرحام وما إلى ذلك من واجبات اجتماعية لم يعد هناك الكثير من الوقت للقيام بها، فتحولت حياة معظمنا.

خاصة أولئك الذين يقتلون أنفسهم في ساعات العمل، إلى حياة جامدة أشبه ما يكون الناس فيها مكائن تدير عجلات التنمية. والأكثر أننا لا نشعر بهذا الإرهاق النفسي أو الجسدي إلا عندما نصل إلى منازلنا تلك التي يتحول فيها غالبيتنا إلى قنبلة موقوتة، أو جثث هامدة بعد يوم عمل طويل واجتماعات ثقيلة وازدحام طرق يزيد الطين بلة.

فلا الأب متفرغ لأبنائه، وليس لدى الأم طاقة تربي فيها أبناءها أو تغطي غياب الأب، ولا حياة أسرية مستقرة ولا تجمعات عائلية إلا في النادر، ولا تواصل اجتماعي إلا بتكلف وبمزاج لا يرقى إلى طموحاتنا.

ولا رياضة دائمة ولا نظام صحي مثالي، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل نحن راضون عما حققناه وما خسرناه في المقابل من أمور ذات أهمية بالغة على رأسها استقرارنا الاجتماعي؟ هل وضعنا في خططنا الوسائل التي من الممكن أن نتغلب عليها ونحد فيها من مشكلات نفسية واجتماعية وصحية جاءت نتيجة هذا التطور والتنمية وإيقاع الحياة الذي نعيشه؟

إن التطور الذي تشهده الدولة أمر في غاية الأهمية لاسيما وهو سبب في تحسين أوضاع الدولة والأفراد ماديا وما يتبع ذلك نسبيا من ارتياح نفسي واجتماعي، لكننا في الوقت نفسه لا نتمنى لأنفسنا أن تكون فاتورة هذه التنمية على حساب أسرنا وبنيتنا الاجتماعية التي بدأت تتأثر كثيرا وبشكل سلبي لم نتصوره مطلقا إذ كان ذلك سمة للمجتمعات الغربية التي فقدت بناها الاجتماعية نتيجة ما حققته من تطور وتقدم، وأصبحنا للأسف نتبع خطاها في ذلك.

لذا فإن ما نأمله وقبل فوات الأوان أن نستدرك الأمر ونضع حدا لهذا الإيقاع لكي لا ينتزع ما تبقى لنا من حقوق إنسانية واجتماعية، ونقلل قدر المستطاع من تداعيات هذا الإيقاع من خلال آليات وخطط وبرامج اجتماعية تقابل تلك الخطط والبرامج العملية خاصة وأن معظم أفراد مجتمعنا هم من فئة الشباب الذين أصبحوا عرضة للأمراض المزمنة، وأصبحوا منقطعين اجتماعيا ومغيبين لكثير من حقوقهم ويعيشون ضغوطا نفسية واجتماعية أثرت عليهم سلبا وعلى من حولهم. وهذا ما سنناقشه غدا بإذن الله.

maysaghadeer@yahoo.com