يحق للذين قسموا الديمقراطيات والمجتمعات الديمقراطية إلى ثلاثة مستويات وأطلقوا عليها تسمية واضحة المعالم أن يسعدوا بتصنيفاتهم، سواء من حيث الفترة الزمنية التي مرت بها تلك الديمقراطيات أو سماتها ومكوناتها السياسية والداخلية، لهذا حظيت الديمقراطيات الغربية بتسمية الديمقراطيات العريقة، ونالت تسمية الديمقراطيات الناشئة المرتبة الثانية.

وقد تم تصنيف دولها وحددت معالمها بعد أن رأينا أن اغلبها قد مضت التجربة الديمقراطية المستقرة فيها لأكثر من نصف قرن، كالهند وقبرص ومالطا وإسرائيل وغيرها. أما الديمقراطيات الوليدة، فهي بالطبع من نصيب الدول النامية والرمادية، كما حدث مع بلدان البلقان المفككة وبقايا الجمهوريات السوفييتية.

وقد طارت رياح التغيير الانتخابية وصناديقها الجديدة نحو هذا العالم، خاصة بعد انهيار القطبية الثنائية، فشهدنا تزايد الدول المنخرطة في العملية الانتخابية والاقتناع جميعا بضرورتها، وبمسألة حقوق الإنسان بما فيها حق الانتخاب والترشيح واختيار ممثليه الشرعيين الذين يمثلونه. هذا من حيث الشكل والقرارات والرياح العالمية للمسألة الديمقراطية، ولكن الحقيقة قدمت لنا مشاهد مختلفة لكون الثقافة الديمقراطية ونهجها ليست «سلقة بيض عاجلة» ولا وجبة هامبورجر أميركية ساخنة وسريعة !

فالعملية الديمقراطية وتداول السلطة ومسيرة التحولات في تلك الدول حلم بعيد، وينبغي أن تواجه خيارات مع جذور شجرة قديمة وسلطة جذوعها السوداء ضاربة في الأرض بعمق، بعد أن تيبست فصارت السلطة أو الموت بين الأطراف المتنازعة شعارا للمتقاتلين، فانتعشت كل عناصر الأحزمة الانتحارية والتفخيخات، وكثرت رائحة التزييف والفساد، مثلما اتسعت دائرة تعميق الاتجاه القبلي والاثني بين الجماعات، لكونها سلاحا جديدا في الصراع الاجتماعي وقوة فاعلة في الساحة الانتخابية.

بل وصار الخطاب الديني جنبا إلى جنب تلك الظواهر، مفتاح الشحن والتعبئة والتحريض حول شعارات العدالة والظلم، والنبرات الأقرب إلى الدوغمائية والغوغائية بدلا من البرامج والمشاريع التنموية، في شارع سياسي نصفه أمي والنصف الآخر جاهل لكل معنى النزاع السياسي ديمقراطيا، ولم يستوعب بعد حقيقة العملية الديمقراطية وعلاقتها بالسلطة.

ما قدمته كل تلك النماذج بغالبيتها صور مأساوية للمعالجة التنموية والصراع، دفعت المتنازعين من اجل سدة السلطة إلى المواجهات العنيفة، فيصبح بعدها الدم عنوان تلك الصناديق والسلطة، أكثر من كونها حقائق معبرة عن المنهج الديمقراطي لإدارة الدولة والشعب ومؤسساته.

دول تحظى جميعها كدول نامية بالدساتير، وتمثل عمقا حضاريا ودرجة من الثقافة والتعليم، ولكن من الجانب الآخر، هناك كابوس التخلف - بمعناه الواسع حضاريا - وطموح جامح للسلطة، يحكمه خلف الكواليس مؤسسات عسكرية وأمنية وأثرياء جدد فاسدين فيها، يرون في الديمقراطية والشفافية خطرا يهدد مصالحهم، فيلجأ الجميع إما إلى لعبة التزييف والتضليل أو إلى إثارة النزاع بين السكان بالطرق العنيفة.

لعل ذلك يحقق خسارتها الانتخابية أو العكس يعزز بقاء الخاسرين انتخابيا في السلطة، فنسمع الاتهامات المتبادلة المعتادة كما هو سائد، حيث يكرر الخاسر خطاب تهمة التزييف الانتخابي ويجيب الآخر أن الانتخابات كانت نزيهة.

ولو جلنا بنظرة عاجلة قبل انتهاء العام المنصرم لوجدنا جنوب إفريقيا وحزبها الحاكم عنوانا لمثل هذا الصراع الداخلي الكامن بين إخوة الحزب الواحد، وعنوان الاتهام المتبادل هو فساد المعارضة أو فساد السلطة، غير أن حزب المؤتمر الوطني يظل محافظا على درجة الانضباط داخل انتخابات الحزب بحيث لا تفلت نحو العنف الدموي، ولكننا لا ندري غدا ماذا سيحدث في انتخابات الرئاسة، فالمناخ مشحون بالتوتر والاتهامات العدائية بالفساد، مثقلة بروح قابلة لتفجير العنف وإراقة الدماء.

فالصراع على السلطة هناك يكرس نفسه تاريخيا على انه لم يحرر فقراء جنوب أفريقيا من بؤسهم، وان الأهداف الاجتماعية العادلة التي طرحها منذ زمن مانديلا لم تكن إلا شعارات لامعة تجمدت عند بوابة الاستثمارات الأجنبية وحيتان المال، بينما يعشش الفقر في كل الأطراف والقرى البعيدة.

هذا إذا لم نقل المحيطة بالعاصمة جوهانسبرج التي وحدها تشكل خزان الثروة والثورة القادمة في آن واحد، في بلد يعتبر نفسه نموذجا للتجربة السياسية المنفردة من جوانب عدة في أفريقيا، كتنازل البيض كأقلية عن الحكم والدخول في المصالحة الوطنية والبحث عن الحقيقة، وتنازل مانديلا كقائد تاريخي باختياره الطوعي عن مقعد الرئاسة، وتوافق مواطنو جنوب أفريقيا بأغلبيتهم السوداء الفقيرة وأقليتهم البيضاء الثرية على الخيار الديمقراطي.

لمجتمع يحاول التوازن في المشروع الليبرالي، ضمن الإصلاحات والتحسينات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية لمجتمع معقد في تركيبته في خط واحد من التجاذبات السياسية والطبقية، دون اللجوء إلى القوة والعنف للتغيير في إسقاط السلطة بإراقة المزيد من الدماء، التي عرفتها جنوب أفريقيا في حقبة التمييز العنصري.

من يتابعون مشاهد كينيا والصومال والسودان وانتخابات زيمبابوي القريبة القادمة، يضعون أيديهم على قلوبهم خشية من انفلات الأوراق في صناديق زائفة، فينفجر الدم بدلا من فرز الأوراق الانتخابية العادلة والنزيهة. ففي المشهد الصومالي والسوداني نرى كيف تعقدت لعبة الصراع الداخلي والإقليمي، وبات الناس كل يوم يهربون من مشاهد الدم ويزداد عدد اللاجئين والضحايا في اقتتال لن تحله أبدا لا صناديق الاقتراع ولا حمامات الدم.

إلا عندما يستيقظ الطرفان على جثث بعضهما البعض، ويكتشفون إن الطرق والأفاق باتت مسدودة، وبأنهما استنزفا كل طاقاتهما في الصراع الداخلي على تلك «السلطة والحكومات المفلسة المديونة !» بينما شكلت لنا كينيا المستقرة والثرية نسبيا عنوانا جديدا لاهتزاز الحقيقة المبرقشة.

حيث نست السلطة هناك مشاريعها الإصلاحية وعدالتها الاثنية والوطنية، فبدت واجهة السلطة وجها للتمييز والتفرد والقبلية، وتم تعليق كل الشعارات ومواد الدستور التي تنادي بالمواطنة والعدل والتغيير ومناهضة التمييز. تبخرت أحلام الكينيين وانتفخت جيوب الأثرياء الجدد، وتوسعت مساحات المستثمرين.

غير أن مساحة الفقر في الأطراف كانت الجثة البائسة التي صعدت على أشلائها المعارضة المتوهمة،إن بإمكانها عبر صناديق الاقتراع استلام السلطة، فتلاشت الأحلام والأوهام، فاستيقظت حرارة الدم والعنفوان، فتناسى الجميع خطاب الديمقراطية وتداول السلطة السلمي، فتحولت كينيا إلى حمامات دم لا يعرف المراقبون نهايتها.

ما يقلق المتتبعين للتوتر الأفريقي سياسيا في المستقبل القريب، أن تكون زيمبابوي مسرحا جديدا للدم، خاصة إذا ما خسرت حكومة موغابي الانتخابات، إذ لم تعد المسألة وحدها مرهونة بيد الرئيس، فهناك بطانة فاسدة متجذرة باتت ممسكة بزمام الأمور.

وصارت السلطة لمثل هؤلاء مشاريع للامتياز والرفاهية وأحصنة القوة، ولا يمكن التفريط بالسلطة القديمة وامتيازاتها وتتاح للقادمين الجدد فرصة تدمير تلك الأهرامات الجديدة للثروة النامية في بلدان ترفع شعار الديمقراطيات والعدالة في الواجهة، وتمارس سلوكا معاديا لدساتيرها ولشعاراتها اللامعة دون خجل.

بين حمى باكستان الانتخابية المتشحة بالدم وحمى كينيا، هناك حمى دموية قادمة في الدول الرمادية، تصبح جورجيا مرشحة للعنف كبقية الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى. فكلما شمت المعارضة أو السلطة رائحة الثروة، أصيبت بدواخ في الرأس وصهيل في الدم، اقرب إلى علاقة سمك القرش برائحة الدم الإنساني.

كاتب بحريني