انتشرت في عهد سيد الكريملين بوتين النزعة القومية الروسية، ونزعة العداء للولايات المتحدة و ذلك بسبب عدم اكتراث البيت الأبيض المفعم بالازدراء لحساسيات روسيا وتوغلات أميركا التي تعكس غرورها وتصلبها، لوحظ في الآونة الأخيرة نزعة سلبية وهي انهيار نظام فيستفال الدولي الذي قام بعد انتهاء الحروب الدينية في أوروبا على أساس مبدأ ثبات حدود الدول.

ويلاحظ أن الدول التي كانت تسعى سابقا إلى الاتحاد. تعلن اليوم عن رغبتها في الانفصال. وهكذا ينشأ العديد من الكيانات المستقلة.

في يوليو عام 1974 اعتدت تركيا على جمهورية قبرص واحتلت 40 % من أراضي الجزيرة انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة والأعراف الدولية. وحاولت الجمعية العامة للأمم المتحدة غير مرة حل المسألة القبرصية.

واقترحت عدة خطط لتسوية النزاع، إلا أن كلها لم ترض الطرفين المتنازعين. وقبل سنة ونصف وافق زعماء القبارصة اليونان والأتراك على اقتراح مبعوث خاص لأمين عام الأمم المتحدة يتعلق ببدء المباحثات الثنائية المباشرة. لكن هذه العملية تعيش حالة من الركود.

روسيا تعترض بشكل قطعي على محاولات الغرب. حل مشكلة كوسوفو خارج إطار القانون الدولي. حيث ترى أن هذه النزعة خطيرة للغاية لأنها تتعارض مع قواعد تسوية النزاعات المعترف بها دوليا. إضافة إلى أن حل مشكلة كوسوفو. ليس من اختصاص الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي. خاصة وأن كوسوفو وصربيا لا ينتسبان إليهما. كما أن مجلس الأمن الدولي لم يعط بل ولن يعطي على الأرجح إليهما الحق في تقرير مصير الإقليم.

يرى الكريملين أن دور الدبلوماسية المتعددة الأطراف يزداد باستمرار في ظروف عملية العولمة وقيام مختلف مراكز القوة وتوسيع جغرافية النزاعات الدولية. ونشوء أخطار وتحديات جديدة. وروسيا على قناعة بأن الأمم المتحدة خير أداة لحل كل هذه المشاكل.

يتفق الجميع على أن مبدأ وحدة الأراضي أهم من حق الأمم في تقرير مصيرها. وهذا ما نراه عندما يدور الكلام حول قيام الجمهوريات غير المعترف بها في أراضي الاتحاد السوفيتي السابق، ومجلس الأمن الدولي وحده من حقه أن يتخذ قرارات حول تسوية مشكلتي قبرص وكوسوفو. ومن الخطورة بمكان القيام بخطوات وحيدة الجانب انتهاكا للقانون الدولي.

المباحثات حول تقرير مصير كوسوفو، كانت و لا تزال حدثا هاما بالنسبة لروسيا لأن الكثير في عالمنا الحالي يرتهن بحل مشكلة كوسوفو. وإذا تم حلها بشكل غير صحيح سوف ينهار كل نظام العلاقات الدولية القائم على القانون، فتعتمد آبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وبريدنيستروفيا على حق الأمم في تقرير مصيرها بالذات في سعيها إلى الاستقلال الوطني. وما من بلد في العالم اعترف باستقلالها.

وينطبق هذا القول على روسيا أيضا. ولكن، إذا منح كوسوفو الاستقلال تحت ضغط الولايات المتحدة وتجاهلا لموقف بلغراد سوف تنشط الحركات الانفصالية في أراضي الاتحاد السوفييتي السابق ومناطق أخرى. و لنتذكر هنا حركة الباسك في إسبانيا.

وفي اسكتلندا والأكراد في تركيا والعراق وسكان شمال قبرص ومشكلة كشمير في الهند ونزاعات حدودية عديدة والقتال الدموي في دول إفريقية.

يقال إن روسيا تدافع عن صربيا لأن شعبيهما قريبان من حيث اللغة والتاريخ السلافي المشترك وانتمائهما إلى الكنيسة الأرثوذكسية. لكن روسيا لا تدافع عن صربيا فحسب بل وعن العدالة والنظام الدولي القائم على القانون والذي استغرق بناؤه فترة طويلة.

ولهذا السبب بالذات تدعو روسيا إلى مواصلة عملية المباحثات. إن عدم حل مشكلة كوسوفو على أساس الوفاق سيؤدي حتما إلى نمو العنف والخلافات، وليس في البلقان وحدها. وهذا ما لا تريده روسيا. من المؤسف الحديث عن محاولة لنسف الأمم المتحدة والاستهتار بحقوق وواجبات هيئتها الرئيسية..

فمن حق مجلس الأمن أن ينظر في كل الخلافات التي يمكنها أن تؤدي إلى نشوب أزمات ونزاعات دولية وأن يعطي توصيات بهذا الشأن أو أن يقر التدابير التي يجب اتخاذها من أجل حفظ السلام أو إعادة السلام، هذه المبادئ المعروفة للجميع ينبغي التقيد بها بكل صرامة.

إلا أنه يجري خرقها في بعض الحالات.. فمثلا حاول ممثلو أوروبا والولايات المتحدة ربيع سنة 1999 إقناع مجلس الأمن بضرورة شن الحرب على يوغوسلافيا التي اتهموها باللجوء إلى الملاحقات تجاه ألبان كوسوفو.

حيث اعترضت موسكو و بكين على اتخاذ هذا القرار. وأيدتهما غالبية أعضاء مجلس الأمن غير الدائمين. وآنذاك قرر الغرب أن يتصرف خلافا لإرادة مجلس الأمن.

فقامت طائرات حلف الناتو بغارات مكثفة على يوغسلافيا خلال 78 يوما، ونشأ مثل هذا الوضع من جديد بعد مرور أربع سنوات قبيل الاعتداء الأميركي على العراق. لقد اصطدمت الولايات المتحدة آنذاك بمشاكل كبيرة في مجلس الأمن. وقررت الإدارة الأميركية حلها بتجاهل موقفه.

وإذا اعترف بكوسوفو كدولة مستقلة على حساب صربيا. فإن بوتين يهدد الآن بالاعتراف بأوستيا الجنوبية وأبخازيا وهما الجمهوريتان الانفصاليتان عن جورجيا وبريدنيستروفيا التي تطالب مولدوفا بضمها.