اضطراب المواقف السياسية، وتناقض التصريحات الإعلامية الأميركية إزاء العديد من الأزمات العالمية خصوصا في المنطقة العربية والإسلامية دليل على أنه ليس لدى الإدارة الأميركية الحالية مفهوم واحد لتعريف السلام ولا معيار واحد لتعريف الديمقراطية، ولا موقف واحد لتعريف الإرهاب، وإذا كان لدى الإدارة الأميركية تعريف واضح للسلام على خلاف مانظن.

فيبدو أن التناقض واضح وفاضح بين النظرية والتطبيق، وهذا في الحالتين يتناقض مع المسؤولية الأخلاقية التي هي جوهر القيم التي يؤمن بها غالبية الشعب الأميركي والتي قامت على أساسها الولايات المتحدة، بما يبدي الإدارة الأميركية الحالية كشاهد زور على تلك المسؤولية الأخلاقية للأمة الأميركية.

هذا التناقض الأميركي أحيانا، وهذا الازدواج في المعايير والتعدد في التفاسير حسب مقتضى المصلحة لا المبدأ غالبا في أكثر من قضية عربية وإسلامية أبرزها الموقف من حقوق الشعب الفلسطيني والانحياز الأعمى للاحتلال الإسرائيلي، وتسمية المقاومة المشروعة بالإرهاب، وتسمية الإرهاب والعدوان الإسرائيلي بحق الدفاع عن النفس، جعل الإدارة الأميركية تخسر مصداقيتها واحترامها وأهليتها للقيام بالمسؤولية السياسية أو الأخلاقية العالمية كل يوم أمام شعوب العالم.

إن جل التصريحات والممارسات والتحركات تقول لنا بالفم الملآن إن السلام الأميركي لا يعني سوى السلام الإسرائيلي بما لا يمكن ترجمته سوى بمحاولة فرض الاستسلام وفقا للشروط والتفاسير الأميركية أو الإسرائيلية، ـ لا فرق ـ القائمة على العدوان واغتصاب أراضي وحقوق الغير بالقوة والاعتداء على كل حقوق الإنسان العربي الفلسطيني بالإرهاب على حساب المبادئ الإنسانية!

نرى هذه المعايير المزدوجة في جل قضايانا المطروحة سواء تلك التي يكون فيها الحلف الصهيوني الأميركي طرفا فيها كفلسطين والعراق والصومال بالاحتلال العدواني المباشر مثلا، أو تلك التي تحشر أميركا وإسرائيل أنفها وأيديها فيها كما يحدث الآن في لبنان أو السودان بالتدخل السافر لإشعال الفتن الطائفية والعرقية والمذهبية أو لتعطيل التفاهمات الوطنية بهدف إشاعة الفوضى الخلاقة لكل شر المانعة لكل خير أو وحدة وطنية أو سلام.

والدليل أنه كلما تحدثوا أو تحركوا باسم السلام في فلسطين مثلا تسارع إسرائيل بالسلاح والصمت الأميركي عن الكلام لضرب السلام، بمزيد من الاستيطان وتعلية الجدران وكل أشكال العدوان على حقوق الإنسان بمزيد من جرائم القتل اليومية وإسالة الدماء الفلسطينية وفرض الحصار والتجويع على السكان، والحصيلة عشرات القتلى ومئات المشردين وآلاف المروعين بالجوع والموت والأحزان منذ أنابوليس وحتى الآن!

والطريف هو ذلك الخداع الخالي من الذكاء أو ذلك النوع من الذكاء الأميركي الذي يفترض الغباء في الشعوب العربية والإسلامية في هذه المنطقة من العالم التي منها نبعت رسالات السماء، وعلى أرضها وبنفس ذكاء شعوبها قدمت للبشرية أعرق حضارات الإنسان، ويتجاهل أن ذكاءهم يتفوق في الغالب على ضرورات حكوماتهم وقيود برلماناتهم ومحددات إعلامهم.

فبينما لا يكف الرئيس بوش في الأيام الأخيرة عن الكلام عن السلام في فلسطين، ويستغرق في التفاؤل والأحلام والادعاء بأن زيارته هي لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تفجر قوات الاحتلال الإسرائيلي المزيد من شلالات الدماء الفلسطينية لفرض الاستسلام.

بينما يضع الفيتو الأميركي للسلطة حدا مانعا للحوار أو الوئام الوطني بين الفلسطينيين في الضفة والفلسطينيين في غزة لتكريس الانقسام وبيع الأوهام إبعادا لأي إمكانية عملية للوصول إلى أي تسوية للسلام.

وبينما يحتل رئيس الأميركان العراق العربي الإسلامي بقرار وبمزاعم كاذبة حول حكاية الدمار الشامل الموهومة في مخالفة للشرعية الدولية ودون موافقة الشعب العربي ولا حتى الشعب الأميركي، لا يخجل من التصريح بأن زيارته للمنطقة تستهدف التحذير من الخطر الإيراني.

وليس الإسرائيلي الذي يحتل فلسطين ولا الأميركي الذي يحتل العراق، بهدف التبرير لإشعال الحرب في الخليج وليس تحقيق السلام في فلسطين، لتبدو مهمته لبيع الأوهام باسم الحرص على السلام مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة!

mamdoh77t@hotmail.com