الظاهرة الأكثر خطورة في المشهد اللبناني الحالي تتمثل في اقتراب مرحلة انتهاء لعبة عض الأصابع بين القوى المتصارعة، لتتحول لاحقا إلى ما كان يخشاه دائما المواطن العادي، أي الجنوح إلى التطرف الأقصى المتمثل في فرض الشروط بالاعتماد على منطق القوة، انطلاقا من قناعات ذاتية تحاول إيهام الرأي العام بأن هذا التطرف يخدم غايات وأهداف «وطنية» وبالتالي لا حاجة للاحتكام إلى منطق الديمقراطية والحوار من خلال مؤسسات الدولة.
هذا على الأقل ما تبين مؤخرا من خلال المواقف الصادرة عن المعارضة اللبنانية، وتحديدا عمّن كان مفترضا أن يكون قطبها الأكثر سماحة، أي الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الذي أصبح يبدو لي، ولكثيرين من مختلف الانتماءات الفكرية والإيديولوجية والطائفية، أنه ممعن في استعداداته لخوض معركة استنزاف ضد أبناء وطنه من المعسكر الآخر، ستكون آثارها السلبية المدمّرة للوطن ظاهرة للعيان أكثر من أية منافع إيجابية أخرى حاول مؤخرا أن يؤكد تحقيقها.
وقد يكون السيد نصرالله محقا في اعتماده على مبرراته الإيديولوجية التي يؤمن بها كأساس لإطلاق مغامرته الواضحة تماما في أبعادها الإقليمية. لكنه تناسى، أو هكذا أراد عن قصد بسبب اللعبة الإعلامية التحريضية التي يحق لأي طرف ممارستها في خضم الصراع السياسي القائم، إن أية مغامرة مهما صغر حجمها ستطال جماهير الشعب أولا، ومقومات الاستقرار الهش ثانيا، بعدما كانت قد أصابت المؤسسات بشلل خطير يكاد يهدد كيان الوطن بأسره.
لنأمل إذن بأن ما ورد عن سماحته ليس سوى جزء من هذه اللعبة الإعلامية، لأن أية ترجمة عملية لما يجري الحديث عنه من عصيان مدني ونزول إلى الشارع وما شابه، لن يكون سوى وقود لفتنة أكبر سيسرّ كثيرون من المصطادين في الماء العكر لقيامها لأنها ستحقق كثيرا من أهدافهم وغاياتهم السوداء.
ولا أريد هنا التكهّن بما قد يجري في حال وصلت الأمور إلى مستويات الحماس «الثوري» الإنفعالي الذي تعمل على بثّه في نفوس الشباب اللبناني الآلة الإعلامية التحريضية للقوى المتصارعة، فأكتفي بالتذكير فقط بالأحداث التي جرت في هذا الوقت من العام الماضي وكادت أن تشعل فتيل الفتنة القاتلة.
يبدو لي، بأن الخطير في ما تقوم به المعارضة حاليا هو الدوس على مبادئ اللعبة الديمقراطية بطريقة تكاد تذكّرنا بممارسات الأنظمة الشمولية، وتاليا إيهام الرأي العام اللبناني بصحة موقفها المعطّل لهذه اللعبة. وهي تنطلق في ذلك من جملة شعارات أصبحت في واقع الأمر تثير القشعريرة في نفوس بعض من كانوا يتعاطفون معها، ناهيك عن قسم كبير من الشعب الذي كان يصر على البقاء حياديا اعتقادا منه بأن هذا الحياد قد يكون آخر أمل للحفاظ على ما يوصف بالانتماء الحقيقي للوطن.
لكن يبدو مع مرور الأيام وتفاقم الأزمة، بأن الحياد قد أصبح يتحول إلى موقف سهل وجبان، ما تطلب من مفضّلي هذا الخيار التحول تدريجيا للجهر علنا بمكنونات نفوسهم، ورفع الصوت عاليا دون أي تحفظ ضد كل من يدعو إلى تأجيج نار الخلافات ومن يشلّ المؤسسات الديمقراطية للدولة، وتاليا ضد كل النتوءات الكاريكاتورية التي تطل علينا بين وقت وآخر لتذكّرنا ببعض فصول الحرب الأهلية إن كانت من المعارضة أو الموالاة.
ولا أريد في هذا السياق أن أجعل من الفريق اللبناني الآخر ملاكا كامل الأوصاف خالي من السلبيات، لكن إصراره على التمسك بشروط اللعبة الديمقراطية من أجل الخروج من الجمود الحالي وإنجاح الاستحقاق الرئاسي يجعل منه ، حسب رأيي المتواضع، الطرف الأكثر واقعية وبراغماتية من ذلك الذي يحاول أن يقلب كافة القوانين والمعايير الديمقراطية تحت حجج قد تكون سليمة النيّة، لكنها تنقله للأسف إلى موقع الطرف الشمولي الذي لا يعرف كيف يعكس تلك النية إلا من خلال الممارسات الدكتاتورية .
وأمام هذا الوضع المستجد في الصراع السياسي اللبناني، فأن الأخطر في ما نشهده هو الانعطاف الحاصل على الساحة الإعلامية اللبنانية من تحول مرعب في طريقة التعاطي مع الملفات الحساسة. فلقد تحولت كثير من المؤسسات الإعلامية للأسف إلى أبواق تعلن من خلالها الحرب على هذا الطرف أو ذاك، حيث تناسى القائمون عليها بأن هدفها الأصلي يتجسد في دعم الرأي العام والمواطن العادي والدفاع عن قضاياه المحقة، لا عن هذا الزعيم أو ذاك أو هذه الفئة أو تلك.
ويبدو لي من خلال المتابعة اليومية، أن وسائل الإعلام اللبنانية التي أتحدث عنها قد تحولت إلى ما يشبه إعلام «التابلويد» الغربي أو ما قد نصطلح على تسميته «الصحافة الصفراء»، لأننا افتقدنا فيها، مع بعض الاستثناءات بالطبع، إلى الموقف المتجرّد من أية تبعات إيديولوجية أو طائفية أو مذهبية، وبتنا لا نشاهد فيها إلا ردود الأفعال العنيفة وأحيانا المضحكة التي باتت من السمات الرئيسية التي تميّز رموز الصراع الحالي.
أمام هذا التشرذم كله، وفي ظل التحييد المتعمّد للعماد ميشال سليمان.
يبدو بأن الطرف المؤهل أكثر من غيره لاحتلال موقع الوسط في خارطة الصراعات المستعرة على الساحة اللبنانية، هو المجتمع المدني الذي من المفترض وفق المنطق الديمقراطي على الأقل، أن يكون المراقب والمحاسب الأقوى لنشاطات السلطات التنفيذية والتشريعية وغيرها، لأنه يستمد شرعيته من كافة قطاعات الشعب التي يجب أن يمثلها بغض النظر عن هويتها وانتمائها الفكري والإيديولوجي.
ومن هنا أدعو كافة الفئات المخلصة للوطن، معارضة وموالاة، للكف عن ترجمة مصالح الدول الخارجية في لبنان إن كان من خلال أجندة سورية وإيرانية أم أميركية وفرنسية، واستثمار هذا الزخم الهائل الذي نشهده حاليا في خضم الصراع المستعر، لتنمية هذا القطاع المهم من الحياة الديمقراطية، لأن ذلك سيمنح أملا حقيقيا يساهم في إطلاق مشروع إنقاذ الوطن من التخبط الذي يشهده حاليا.
وقد يكون مفيدا في هذا السياق، منح المجتمع المدني دورا إنقاذيا معيّنا في أية تسوية سياسية مقبلة، وأسمح لنفسي باقتراح منحه جزءا من الثلث الضامن أو المعطّل مثلما يوصف في قواميس القوى المتصارعة، لعلّ هذا يساعد في إيجاد حل للمعضلة المستعصية التي تصر قوى المعارضة على تسويتها قبل أي استحقاق آخر.
في الختام أقول لشباب لبنان بكافة تياراتهم: لا يمكن مواجهة المؤامرات التي تتربص بالجميع إلا من خلال تعزيز الحياة الديمقراطية والدفاع عن مؤسسات الدولة. فأي شلل يلحق بهذه المؤسسات يشل الوطن ويمثل خيانة له.
كاتب لبناني
