يأتي الرئيس بوش إلى المنطقة، غداً، في ظل انطباع؛ بأنه قادم أساساً لتزخيم توافق أنابوليس؛ وبالتالي عملية التسوية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، إدارته حرصت على إشاعة هذا الانطباع. وهو كذلك فعل، من خلال لقاءاته في الأيام الأخيرة، مع وسائل الإعلام الإسرائيلية والعربية.
لكن خطابه، عشية جولته، الذي أراد أن يسبقه إلى المنطقة؛ لم يغادر النغمة المألوفة، وفي أحسن أحواله، خطاب ضبابي في لحظة تتطلب وضع الإصبع على الجرح؛ إذا ما كان المراد فعلاً تسجيل اختراق غير مسبوق وإنجاز تسوية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية؛ وإحلال السلام.
استهل هذا الخطاب بالإشارة إلى «شرعية» المستوطنات الإسرائيلية وضرورة بقائها تحت السيادة الإسرائيلية، فقط استثنى ما يسمى بالبؤر الاستيطانية العشوائية؛ المطلوب تفكيكها، وعملية التوسيع الجارية، في المستوطنات تجاهلها، واكتفى بالإشارة الخجولة كالعادة الى أنها لا تساعد على العمل نحو السلام. وهو تعليق أميركي قديم، في هذا الخصوص، للتهرب من إدانة الاستيطان وبالتالي مطالبة إسرائيل بإزالته.
وتوالت الضبابية في ما بدا أنها رسالة أرادها أن تسبقه إلى المنطقة، فهو يرى أن المسألة هي في معرفة ما إذا كان أولمرت وعباس يعتزمان فعلاً بذل الجهود الضرورية للتوصل إلى اتفاق أثناء ولايته الرئاسية، وفي هذا السياق حرص على حث الجانبين لبلوغ هذا الهدف قبل انتهاء رئاسته؛ من باب أن الرئيس الأميركي القادم «قد لا يكون من مؤيدي فكرة الدولتين»؛ أو أنه قد يحتاج لفترة قبل التحرك، في هذا الاتجاه.
كلام يفيد بأن الرئيس بوش مهتم بتركته في المقام الأول؛ وليس في تحقيق التسوية، كذلك بأن لهذه الأخيرة شروطا وليس على استعداد لتلبيتها، وعلى رأسها إحداث تغيير في المقاربة الأميركية «لعملية السلام» ولمتطلباتها، وعلى رأس هذه المتطلبات نخز إسرائيل كي تتزحزح وتوقف تحايلها وتخريبها لعملية السلام المتواصل منذ أوسلو، فهو إذا حسم أمره، لا يحتاج إلى معرفة مدى استعداد الطرفين إلى التقدم في العملية، بذلك هو يساوي بين اولمرت وعباس.
ويحتاج فقط إلى معرفة استعداد الأول؛ الذي يمعن في التلاعب والتخريب منذ أنابوليس، فعدوانه على غزة لم يتوقف وبوتائر متزايدة، في الأيام الأخيرة شمل مدن الضفة؛ ناهيك بالتمدد الاستيطاني، وعندما يتعمد الرئيس بوش «شرعنة» الاستيطان، في هذه اللحظة وقبل أيام من وصوله إلى إسرائيل ورام الله وباقي العواصم في جولته؛ عندئذٍ تكون مهمة تزخيم التفاوض وضبطه على السكّة السوّية؛ قد كتب عليها الفشل سلفاً، وما يزيد من الخشية.
في هذا الصدد، هو ما يتردد بأن الرئيس يستهدف أساسا من جولته، حشد المواقف في المنطقة لدعم سياسته تجاه إيران. مثل هذا التوجه ليس سوى إطلاق يد إسرائيل في عملية السلام والمفاوضات؛ وتركها من دون رقيب أو حسيب؛ لا أميركي ولا غيره.
من زمان، يتمثل التعقيد والتعثر وبالتالي وقوع «عملية السلام» في المراوحة بأمرين: تخريب إسرائيل لفرص السلام الذي لا تريده الا بمقاييسها، وثانياً، الاحتضان غير المشروط لسياسات إسرائيل من جانب واشنطن، إذا كان الرئيس بوش في غير وارد تغيير شيء من ذلك فلن تكون لزيارته أي جدوى، اللحظة الراهنة تتطلب دوراً قيادياً وموقفاً تاريخياً، أما التحرك حسب المألوف فلن يكون أكثر من حركة مسرحية محكومة بالعقم. وحدها الصراحة الجريئة في التصدي تعطي نتيجة، الضبابية ولى زمانها.
