هل تستطيع الدّول العربية أن تجد حلاّ لأزمة لبنان، خصوصا أنّ أسباب الفرقة في تلك البلاد تجاوزت السياسي لتصل إلى المستوى الشخصي والمزاجي. فواضح أن زعماء الأحزاب والطوائف في لبنان راكموا خلافاتهم السياسية، ثمّ راكموا بعدها قلّة استلطافهم لبعضهم البعض، ونفورهم من بعضهم البعض!

وفي السّلوك السياسي العربي، يحتل هذا المعطى الأخير مكان الصدارة. فالمسائل الشخصية والعلاقات الثنائية لا تخضع لرؤية تنطلق من المصلحة العامة عد لحظة التصرف السياسي والفعل الوطني.

وذلك يعود لعدّة أسباب منها غياب المؤسسات واختزالها في الفردانية، وانعدام التمدّن لسياسي الذي يقدر وحده أن يؤسّس لما يلحّ عليه العقل وتشير إليه الحاجة.

ولعدّة أسباب أيضا نمت في لبنان حالة شبه ديمقراطية في ظاهرها، لكنها لم ترتق إلى ما ترمي إليه الديمقراطية في الأخير، ومن جملة ما ترمي إليه، أن تكون المؤسسات هي المسيّرة الأولى للأوضاع، وأن يكون القانون هو الفيصل بين كلّ الأطراف، وأن تكون الثقافة المدنية هي التي تنظّم الأمور والأشياء.

لا شكّ أن هناك أيضا موانع كثيرة، وقفت كحائط الصدّ بين لبنان وبين تطوّر ديمقراطيته كوجوده في قلب النزاع العربي ـ الاسرائيلي، وكتحمّله لحروب كثيرة ولتضحيات كبيرة، وكتدويل قضاياه الشيء الذي جعل منه ساحة دولية تصفّى فيها الحسابات وتتصارع فيها المصالح.

كلّ هذا صحيح، لكن الأصحّ هو أن يغيّر اللاعبون اللبنانيون أنفسهم قواعد العمل السياسي الوطني، بتشكل يحمي وطنهم، ويحقّق طموحات شعبهم، إذ لا يوجد من حلّ لا عربي ولا دولي للبنان والحالة على ما هي عليه.

وكلّ هذا الذي نرى مجرّد محاولات لولادة حلّ لن يرى النور ما دامت الساحة اللبنانية ذاتها ترفض أن تتجاوز أوجاع المخاض، بل وتستعذبها، وتصرّ على تلذّذ ألمه رغم ما فيه من خطر إمكانية أن ينتهي بموت الحامل.

ومن المفارقات أن لبنان هذا الكيان الصغير جغرافيا، يعدّ حسب عدّة مقاييس أعظم بلد عربي، لكن عظمته مجزأة ومفتّتة، وهي لن تتجلى كلّ التجلّي وتبرز كلّ البروز ربما بتوحّد الفرقاء هناك. ساعتها سوف يرى العالم كلّه لوحة غير عادية لشعب غير عادي بالمرّة، قدرة وإبداعا وفعلا.

حرام، أن نحرم كلّنا من تلك اللّوحة.