يشكل إتفاق وزراء الخارجية العرب على حل موحد للأزمة اللبنانية خطوة في غاية الأهمية لإيجاد مخرج للشعب والدولة اللبنانية من مأزق الصراع السياسي ذي الإمتدادات الخارجية الذي دخلت في خضمه لبنان منذ أشهر.

الخطة التي خرج بها وزراء الخارجية العرب تبدو متكاملة وتقدم حلولا واقعية تحرص على مصلحة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الديمقراطية والدستورية حيث تعتمد على ضرورة إنتخاب قائد الجيش ميشيل سليمان رئيسا للجمهورية ومن ثمّ تشكيل حكومة توافق ، لا يملك فيها ايّ من الفرقاء ، القدرةَ على الحسم في القرارات المصيرية ويكون الترجيح بيد الرئيس الجديد.

هذه لعبة توازن صعبة وخاضعة للكثير من العوامل المعقدة ولكنها تبقى الخيار الأفضل من بين الخيارات المتاحة مع إستمرار الرفض التام لخيارات النصف زائد واحد أو الثلث الضامن ـ المعطل (حسب وجهات نظر الفرقاء).

ما يزيد من أهمية الحل العربي إرتفاع حدة التصريحات الأميركية والأوروبية المطالبة بالتدخل الدولي وتدويل الأزمة وتحويلها أداة وساحة لصراعات إقليمية لن يجني الشعب اللبناني من ورائها إلا الخسائر المادية والبشرية والسياسية.

لقد تأجلت جلسة إنتخاب رئيس الجمهورية إحدى عشرة مرة حتى الآن ولأسباب مختلفة يجمع بينها وجود عثرات ومواقف متشنجة تمنع التوصل إلى الحل الذي توافقت عليه معظم القوى اللبنانية وبدأ وكأن طرفا أو طرفين هما اللذان يستمران في إعاقة عملية الوصول إلى الحل مما سمح بالكثير من التدخلات الدولية السلبية وصراعات القوى التي تحاول إحتلال مساحات في عملية إتخاذ القرار السياسي اللبناني. من نظرة تحليلية للخطة العربية نجد أنها تستجيب لطلبات الطرفين في الحكومة والمعارضة.

تستجيب الخطة لقوى الاغلبية اذ تدعو إلى انتخاب الرئيس فورا وتضمن للمعارضة تشكيل حكومة وحدة وطنية لا تتمتع الأغلبية فيها بالثلثين ولا تحصل المعارضة فيها على الثلث المعطل وتجعل رئيس الجمهورية هو الحكم والفيصل بين الطرفين كما تستجيب الخطة العربية لمطلب آخر من مطالب المعارضة وهو اعداد قانون انتخابي جديد في لبنان.

مطلوب من السياسيين اللبنانيين من قادة الأحزاب والتيارات تتجاوز الطموحات الشخصية والطائفية والإيديولوجية ووضع مصلحة لبنان الدولة والشعب قبل المصالح الخارجية وهم مسؤولون أمام التاريخ في هذه المرحلة الحاسمة للقبول بالحل العربي ومنع التدويل وإيقاف تعطيل القرار اللبناني المستقل وفتح صفحة جديدة لينظر اللبنانيون فيها إلى مستقبل من الإزدهار والتنمية والقرار المستقل.

الدعم السوري للقرار العربي وتصريحات وزير الخارجية الإيراني التي أوضحت دعم الخطة مؤشرات إيجابية على وجود رغبة من الأطراف الإقليمية المؤثرة في السياسة اللبنانية في حل الأزمة بهذه الطريقة ، وقد حصلت الخطة أيضا على دعم من زعيم الأغلبية اللبنانية سعد الحريري ورئيس البرلمان نبيه بري وهذا ما سيجعل الظروف مهيأة أمام أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى لبحث الخطوات التنفيذية للخطة في لبنان يوم الأربعاء.

نفس هذا القبول العربي والإقليمي قد يضعف من فرص المناورة السياسية لبعض السياسيين اصحاب الطموحات الشخصية وينهي الممانعة غير المفهومة والتي عطلت السياسة في لبنان لعدة أشهر لأن رفض هذه الخطة يصبح حاليا رفضا للرأي العربي المشترك ورفضا للحل العربي ودعوة صريحة للتدويل والإحتراب الداخلي.

الخطة العربية جاءت بمثابة خيار إنقاذ مهم للبنان وكلنا أمل في أن يتمكن الفرقاء السياسيون في لبنان من إستثمار هذه الفرصة لتجاوز الخلافات والتناقضات والتركيز على المصلحة العليا للشعب اللبناني في حماية مؤسساته الدستورية والديمقراطية وأولها إنتخاب رئيس الجمهورية مع إستمرار الحذر والقلق الشديد من أية مفاجأة أمنية وإرهابية قد تهدد هذا التوافق العربي في الأيام المقبلة الحاسمة.