نتوقف بمنتهى الجدية عند الثقة التي أظهرها القائد الأسير، الرئيس المحتمل، مروان البرغوثي بـ «أن يشهد العام 2008 إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية»، وذلك رغم اعتباره «أن ما تقوم به إسرائيل بعد مؤتمر أنابوليس إجهاض لمساعي السلام» (د.ب.أ، أ.ف.ب. 30/12/2007).

وقال في تصريحات نشرتها الصحف الفلسطينية الصادرة من داخل سجن هداريم حيث يعتقل منذ خمسة أعوام، «أنا ما زلت متفائلاً بإنهاء الاحتلال، بل إن إيماني مطلق بأن الاحتلال زائل قريباً، وان هذا العام هو عام الأمل للفلسطينيين».

كما نتوقف أمام كلمة الرئيس الفلسطيني أبومازن أمام أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني في الأردن مساء الخميس 3/1/2008 والتي تمنى فيها «أن يكون عام 2008 عام إقامة الدولة الفلسطينية». وهو الأمر الذي عاد عليه الرئيس الأميركي جورج بوش مجدداً في لقاء مع يديعوت احرونوت (4/1/2008).

حيث أكد على «أن تسوية النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني ستحصل في العام 2008». وأكد بوش في هذه المقابلة «أن الإسرائيليين والفلسطينيين يفترض ان يبرموا هذه التسوية بحلول نهاية العام الجاري بغية إقامة دولة فلسطينية مستقلة»، ولكنه أضاف لغماً ثقيلاً عندما اشترط: «لن أسمح بقيام دولة إرهابية عند حدود إسرائيل».

كما جاء في نص الاتفاق بين رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي تلاه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في مؤتمر أنابوليس: «لمؤازرة الهدف المتمثل في الحل القائم على أساس الدولتين: إسرائيل وفلسطين، للعيش جنباً إلى جنب في سلام وأمن.

فإننا نوافق على إطلاق المفاوضات الثنائية الصادقة على الفور بغية إبرام معاهدة سلام تتضمن حل جميع القضايا العالقة، بما فيها كافة القضايا الجوهرية دون استثناء حسبما هو منصوص عليه في الاتفاقات السابقة، ونوافق على الانخراط في مفاوضات فعالة ومستمرة، وسوف نبذل كافة الجهود من أجل إبرام اتفاق قبل حلول نهاية عام 2008».

إذن نحن عملياً أمام ثلاثة تأكيدات من الوزن الثقيل وأمام نص بيان أنابوليس، على أن عام 2008 سيكون عام الدولة الفلسطينية..!ولذلك تتقافز الأسئلة الكبيرة حول المفاوضات والحل والحسم وإقامة الدولة الفلسطينية خلال عام 2008، على كل الأجندات السياسية للأطراف المعنية:

فهل سيكون عام 2008 حقاً عام الحل والتسوية وإقامة الدولة الفلسطينية؟ أم أن ما يجري على الأرض الفلسطينية ميدانياً من اجتياحات واغتيالات واستيطان يبدد كل الآمال والتفاؤلات السلامية؟!

فنحن نتفاءل ونتمنى ونعرب عن ثقتنا بالنصر وزوال الاحتلال عاجلاً أو آجلاً، ونتمنى إقامة الدولة والخلاص من الاحتلال.

ولكن هذا التفاؤل والتمني والثقة شيء، وما يجري حقاً على الأرض الفلسطينية من بناء استيطاني وجدران ومعسكرات اعتقال جماعية للفلسطينيين أولاً، وما يجري في الوقت نفسه من صراعات وانشطار فلسطيني ـ فلسطيني ثانياً، يقودنا إلى استنتاجات أخرى مختلفة تماماً.

ثم حتى على مستوى السياسات الإسرائيلية والأميركية المعلنة على رؤوس الأشهاد، فماذا يقولون هناك بمنتهى الوضوح؟!

وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس راعية المؤتمر وقطب الرحى فيه، كانت في مقدمة من لحسوا التعهد بأن يكون عام 2008 «عام السلام» في الشرق الأوسط، وكانت أول من تحدث عن «سبع سنوات كسقف زمني جديد للسلام» (وكالات)، وقالت رايس إن «أمام المجتمع الدولي فرصة طيبة لتحقيق السلام في غضون سبعة أعوام».

إذن أمام المجتمع الدولي، حسب رايس، سبع سنوات من أجل التوصل إلى سلام، وذلك على خلاف تأكيد بوش أعلاه، ودون أن تتحدث رايس عن بلدوزر الاحتلال الذي يعمل على تدمير كل فرص السلام مثلاً!

أما عربياً فكان الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أول المشككين في هذا الصدد، حينما أعلن: «إن هناك شكوكاً في جدية الجانب الإسرائيلي ومداها، وكذلك جدية الجانب الأميركي في دفع الأمور نحو التزام إسرائيلي»، مضيفاً: «نحن نتوقع أن نلمس جدية، لأن اجتماعات مثل أنابوليس لا تعقد لمجرد الانعقاد ولكن لحل المشكلات القائمة، ودورنا مع الجانب الأميركي والمجتمع الدولي كله هو نزع اللاءات الإسرائيلية، لأنها سلبية تؤدي إلى تعقيد الموقف والوصول إلى نقطة قد تكون أخطر من التي بدأنا عندها في أنابوليس».

فهل سينجح موسى حقاً في نزع اللاءات الإسرائيلية التي مهمتها أصلاً إحباط كل مشاريع التسوية؟ ثم هل من المتوقع أصلاً أن تتعاون الإدارة الأميركية معه في نزع تلك اللاءات؟!

ونقول للسيد موسى هنا، ونحن نكن له فائق المودة والاحترام: ننتظر منك الجدية إذن في الرد الحقيقي على عدم جدية أميركا وإسرائيل!

ونقول، أيضاً، برغم كل الآراء والتوقعات المقروءة أعلاه، وبرغم حجم التفاؤل الكبير الذي ضخ على مستوى المجتمع الدولي لصالح أنابوليس والتسوية عام 2008، إلا أن تلك الأجندات والمواقف الإسرائيلية تبقى هي الأهم والأخطر والأكثر جدية، والتي تفرض نفسها في نهاية الأمر على الأجندات الأميركية وحتى العربية، كما قال في يوم من أيام يونيو 2007 المحلل والمفكر العربي الكبير محمد حسنين هيكل في لقاء له على فضائية الجزيرة.

ونتوقف أولاً في هذا السياق عند أولمرت الذي أكد أن «التوصل إلى اتفاق عام 2008 قد لا يتحقق»، وكأنه يذكرنا هنا بذلك التصريح الذي قال فيه: «إن المفاوضات مع الفلسطينيين قد تستغرق عشر سنوات وربما عشرين أو ثلاثين سنة»!

وانتقالاً إلى تقديرات المؤسسة الأمنية الحربية الإسرائيلية تجاه احتمالات التسوية والدولة الفلسطينية عام 2008، فقد نقل المراسل السياسي للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي عن مسؤول أمني رفيع المستوى قوله: «إن المؤسسة العسكرية تستخف بأجواء السلام التي أشيعت في أنابوليس، وهي ترى أن عام 2008 لن يكون عام السلام كما أعلن، وإنما عام الحرب»!

وبالنسبة للمفاوضات والمواقف واحتمالات التسوية أيضاً، وصف مسؤول إسرائيلي المواقف الإسرائيلية في المفاوضات بأنها «بعيدة سنوات ضوئية، ليس عن المواقف الفلسطينية، بل عن المواقف الإسرائيلية ذاتها في مفاوضات طابا عام 2001».

وهكذا نطل تحليلياً على أنابوليس وتداعياته واحتمالات التسوية عبر الأدبيات السياسية الإسرائيلية أعلاه، لنجد أنفسنا في الخلاصة المفيدة حول سيناريوهات واحتمالات عام 2008، في الحقيقة أمام مشهد سياسي ومسار تفاوضي عقيم حينما تكون كل المفاوضات والمؤتمرات السلامية بلا «جداول زمنية» ملزمة، وبلا «مواعيد مقدسة» تحترمها الأطراف.

فنحن بالتالي أمام طريق مسدود حتماً، وأمام مفاوضات عقيمة متأزمة تتنفس تحت الماء، وأمام خيبات أمل فلسطينية وعربية متلاحقة، وحسابات فلسطينية مرتبكة، لم تتطابق فيها أبداً حسابات الحقل مع حسابات البيدر، الأمر الذي يبقي الملفات مفتوحة على كافة الاحتمالات، بما فيها الاحتمال المرجح دائماً في ظل الاحتلال بلا أفق سياسي استقلالي، وهو حتماً الانتفاضات والمواجهات واسعة النطاق.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com