00
إكسبو 2020 دبي اليوم

المراجعات الفكرية للجماعات الأصولية .. ما حقيقتها ؟

المراجعات الفكرية للجماعات الأصولية .. ما حقيقتها ؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

تشهد الساحة المصرية على امتداد السنوات العشر الأخيرة، سلسلة من عمليات المراجعات الفكرية والفقهية تقوم بها الجماعات الأصولية المتشددة، والتي كانت وراء أحداث العنف على امتداد العقود الأخيرة من القرن الماضي في مصر.

هذه المراجعات تعد بمثابة اعترافات علنية صريحة من قبل هذه الجماعات بأنها ضلت الطريق، ولذلك فهي تريد تصحيح أخطائها الفكرية وتعلن توبتها على الملأ عبر عمليات المراجعة النقدية لطروحاتها الفقهية وسلوكياتها السياسية الخاطئة، حول شرعية العنف والقتل والتكفير والحكم بجاهلية المجتمعات الإسلامية.

ولعل أولى تلك المراجعات الأصولية ما بدأته «الجماعة الإسلامية» التي كانت وراء سلسلة من عمليات العنف، أبرزها مقتل الرئيس السادات ـ رحمه الله ـ في 6/10/1981.

فقد قام القادة التاريخيون للجماعة بإعلان مبادرتهم حول وقف العنف في 5/6/1997 ومن طرف واحد، وهم في أعماق السجون والمعتقلات، إلا أن هذه المبادرة الايجابية لم تحمل على محمل الجد ولم تحظ باهتمام واسع، لا من قبل الإعلام المصري ولا السلطات، بل كانت هناك شكوك واسعة حولها.

ومع ذلك حظيت الجماعة ببعض التسهيلات داخل السجون وخارجها، وأفرجت السلطات عن آلاف المعتقلين من الجماعة والمتعاطفين معهم الذين كانوا معتقلين بقانون الطوارئ دون صدور أحكام قضائية ضدهم.

وكان لابد من مرور عدة سنوات حتى تتأكد جدّية التوبة وصدور قرار جماعي باعتماد المبادرة من قبل «مجلس شورى الجماعة» في 24/3/1999، وقيام الجماعة بإصدار «7» كتب منها «4» باسم «تصحيح المفاهيم والمراجعات» عام 2002، و«3» كتب بعد خروج أمير الجماعة «زهدي» وإطلاق سراحه في 29/9/2003، وتبع ذلك إطلاق سراح ألف من أعضاء الجماعة المقدر عددها بـ «50» ألفاً، منهم «14» ألفاً في السجون.

ثم كرّت السبحة الأمنية لتخرج حباتها المعتقلة تباعاً حتى تم الإفراج عن آخر الأسماء المهمة عام 2007 مع حلول الذكرى العاشرة لمبادرة وقف العنف التي أطلقتها الجماعة قبل عشر سنوات، وبذلك أقفل الملف الأمني للجماعة لتتحول إلى جماعة سياسية ـ اجتماعية ودينية سلمية، تنبذ العنف وتقبل بالتعددية والحوار أسلوباً للمعارضة، وتمارس العمل الدعوي والاجتماعي في إطار القانون والنظام العام.

وقد تكون هذه النتيجة الايجابية هي التي أغرت الجماعة الأصولية الأخرى «جماعة الجهاد» لإعلان مبادرتها التي سميت «ترشيد الجهاد» على يد فقيه الجماعة «سيد إمام عبدالعزيز الشريف» المعروف بالدكتور «فضل» صاحب الكتابين المرجعيين للجماعة، وهما «العُمدة في إعداد والعدّة للجهاد» و«الجامع في طلب العلم الصحيح»، والغريب أنه طبيب جراح، لكنه حفظ القرآن في الصغر واهتم بدراسة الفقه والتفسير، وأصبح المنظر الشرعي لجماعة الجهاد وأميرها.

لكن مراجعات د. فضل والتي جاءت في «111» صفحة وتعتبر أهم مراجعات الجهاد على الإطلاق بعد «10» سنوات على مراجعات الجماعة الإسلامية وجاء الإعلان عنها في ذكرى «مذبحة الأقصر عام 1997» بعنوان «ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم وفق الضوابط الشرعية»، أثارت موجة واسعة من الانتقادات والتلاسن الحاد بين قيادات الجماعة في الداخل والخارج.

وبخاصة من قبل د. هاني السباعي المقيم في بريطانيا الذي شكك وهاجم المبادرة، ومن قبل «مجلس شورى جماعة الجهاد في الخارج» الذي حذر من سماهم شباب الأمة من الإصغاء لمراجعات خريجي السجن.

واتهم د. فضل بأنه «معول هدم وتثبيط للمجاهدين» وأوضح بيانهم المنشور في موقعهم الأصولي وقد كتبته مجموعة الجهاد القديمة الموجودة مع الظواهري ـ الرجل الثاني في تنظيم القاعدة: «نريد أن نبين للجميع أن ما ذكره الشيخ فضل من اتهامات لقيادات المجاهدين وتشكيك في نياتهم، فإن الحقيقة تقتضي مسؤوليته الأولى عن كل ما حدث من أخطاء، كيف لا وقد كان الأمير الأول في الجماعة؟».

وعلى العموم وبغض النظر عن هذا الخلاف بين الداخل والخارج، فإن الذين في الداخل وعددهم ألفان وقعوا على المبادرة ليتم الإفراج عن غالبيتهم وليغلق الملف الأمني للجهاد تبعاً للجماعة الإسلامية. الآن دعونا نتعرف على أبرز الملامح الفكرية والسياسية للمراجعات لكل من الجماعة الإسلامية والجهاد؟

كما أسلفنا فقد أصدرت الجماعة الإسلامية «7» كتب لتشرح موقفها الجديد، بعد تحولها الفكري من جماعة تعتنق العنف والتطرف إلى جماعة دعوية تؤثر السلام والنصح والدعوة بالتي هي أحسن. وقد ترجمت الجماعة بعض تحولاتها إلى الانجليزية ونشروا كتبهم على نطاق واسع وبدأوا بتدريس أبحاثهم الشرعية في سجون المحافظات المختلفة محددين الأسس الشرعية لتحولهم للعمل السلمي.

ومن أهم هذه التحولات أو التراجعات أنهم رأوا أن السادات قتل شهيداً كما قال زعيمهم «كرم ذهدي» ويرى الشيخ «ناجح إبراهيم» ـ مفكر الجماعة ـ في كتابه «الإسلام وتحديات القرن 21» أن الصلح جائز مع إسرائيل، مستشهداً بهدنة الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود، وأن الجهاد وسيلة وليس غاية.

ولذلك ينتقد العرب لرفضهم قبول تقسيم 1948 ويقول «لو قبل عرفات مقعد التفاوض الذي عرضه عليه السادات مع إسرائيل لكانت له دولة منذ عام 1977. وأن سوريا فوتت على نفسها الفرصة برفضها التفاوض في السبعينات مع إسرائيل وتتمنى اليوم ما رفضته بالأمس»، وتنتقد الجماعة «طالبان» لأنها فرضت العزلة على نفسها وحين تربعت على الحكم لم تحمل مصالحة وطنية، وكذلك الحركات الإسلامية لإغفالها خيار الصلح كخيار إستراتيجي.

وبالنسبة لطروحات سيد قطب يرى القادة التاريخيون للجماعة أن «قطب» أديب وليس بفقيه، وأنه من الخطأ التعامل مع مصطلحات الحاكمية والجاهلية باعتبارها من أصول الفقه، ولذلك يرفضون الحكم على المجتمعات الإسلامية بأنها ديار كفر لمجرد عدم تطبيق الشريعة، ويعذرون الحاكم في عدم تطبيق الشريعة بسبب التحديات العالمية، ولا يرون بأساً في الاحتكام للقوانين المدنية فيما يتعلق بالربويات والجنايات للضرورة.

وأما الديمقراطية الغربية فإن فيها ما هو صالح ومتفق مع مبادئ الإسلام بما فيها فكرة الأحزاب. وفيما يتعلق بأعمال القاعدة في العراق، هم يرفضون ممارسات القاعدة وتوجهاتها ويرون أن هدف القاعدة إبادة الشيعة والأكراد وليس تحرير العراق، وان جماعة الزرقاوي لا تعرف معنى الجهاد، كما أدانوا تفجيرات الجزائر وقالوا: متى يتعلمون حرمتها شرعاً؟

كما أدانوا تفجيرات الرياض وردوا على الظواهري وفندوا مستنداته الفقهية. كما انتقدوا أنفسهم وقالوا ان العمليات التي حدثت في الماضي أضرت بالإسلام والمسلمين ولم تحقق الجماعة من ورائها أية مكاسب.

وأن التفجيرات الحاصلة في المجتمعات الإسلامية تستهدف ضحايا مسلمين ولا تصيب عدواً، وفي تعليقهم على تفجيرات «شرم الشيخ» قالت الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد: القتل والتفجير ليسا جهاداً، وما يحدث في العراق وفلسطين ليس مبرراً وهي أمور لا تخدم إلا الأعداء، وبالنسبة للسياح قالت الجماعة الإسلامية: السياح ليسوا محاربين وتأشيرة الدخول تقوم مقام الأمان. كما حرّموا الخروج المسلّح على الحكام لأنه أضعف الدين وهو من أعظم الأسباب لتدخل الدول الكبرى في شؤون المسلمين.

وهاجموا «بن لادن» لأن فتواه تسببت في قتل الأبرياء، وقالوا: المناداة بفتح باب الجهاد ضد إسرائيل مستحيلة وغير واقعية، ولا يطلق لقب شهداء على المفجرين غير الملتزمين بشروط الشهادة، والدعوة للجهاد مقصورة على الأمة لا الأفراد ولا لأية جماعة مهما كبرت، مع التحقق أن الدماء لا تراق هدراً وأن العمل الجهادي لا يمس حاجات الناس وأرزاقهم ومرافق البلاد الحيوية.

وبالنسبة لـ «11 - 9» انتقدوا نظرية المؤامرة المسيطرة على أذهان كثير من المسلمين بأن هجمات «11» سبتمبر لم تقم بها القاعدة وإنما الموساد الإسرائيلي. وبالنسبة للمقاطعة قالوا: الدول العربية ستكون هي الخاسر الأكبر إذا قطعت علاقاتها مع أميركا أو مع الدول التي تنتهك حقوق المسلمين، واستنكروا استخدام المساجد كمخازن للسلاح أو المنشورات وطالبوا بتنزيه المساجد عن مثل هذه الأعمال حتى يحفظوا لها قدسيتها.

وقالوا عن عمليات خطف الرهائن وتهديدهم بالذبح أمام القنوات الفضائية بأنه يعطي أسوأ صورة عن الإسلام، وقالوا إن الحكم على الناس ليس من شأن الجماعات الإسلامية بل من شأن القضاة. كما انتقدوا الجماعات الجهادية في السعودية، وقالوا عن صدام إن إستراتيجيته تمثل قمة الغباء السياسي، وبالنسبة لدارفور قالوا: على الدول العربية أن تعتبر بما حدث في دارفور حتى لا تقع تحت أقدام المحتل الأجنبي.

وانتقدوا جماعة الإخوان المسلمين وقالوا إنها هي التي وضعت فكر التكفير في الستينات، ونطالبها الآن بالسير على نهجنا السلمي، كما دافعت الجماعة الإسلامية عن مبادرة جماعة الجهاد، وطالبت أصوليي الخارج بوقف التشكيل فيها واعتبرتها إحدى ثمار مبادرتها لوقف العنف.

كاتب قطري

طباعة Email