في بداية تسعينات القرن الماضي نشر فوكوياما كتابه الشهير «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، حاول أن يثبت فيه أن تاريخ البشرية وصل إلى نقطة من التطور يصبح معها الجدل بين الماركسية والسوق منتهياً عملياً، وأن دور الديمقراطية الليبرالية الغربية يتعزز «كأرقى أشكال تنظيم المجتمع الإنساني»، ولم يبق من مشكلات أمام التطور اللاحق إلا مسألتان: الإدارة والتعليم فقط.

من الممتع قراءة هذا الفيلسوف الأميركي الآن وهو يقيّم حصيلة عام 2007 ويشير إلى أن الصين وروسيا اللتين لم تأخذا بالديمقراطية الليبرالية الغربية أصبحتا تعيشان بشكل أفضل، بل وتنظران إلى النموذج الغربي بازدراء مكشوف. وأن 20% فقط من الروس قالوا في آخر استطلاع اجتماعي للرأي انهم معجبون بالديمقراطية واقتصاد السوق على النمط الغربي. وهكذا يبدو فوكوياما في حيرة من أمره.

ويشير هنري بورتر في «الأوبزيرفر» البريطانية في ملاحظاته على فوكوياما، إلى أنه في الوقت الذي تشق الصين وروسيا والهند طريقها نحو قمة العالم الاقتصادية، يراوح الغرب مكانه غير واثق لا في حالة اقتصاده ولا في الاتجاه الذي تتحرك فيه ديمقراطيته. وهذه هي في الواقع أهم مجريات عام 2007، وليس ما يقال عن الإسلام والإسلاموية 2007,12,23 «The Observer».

من النافل البرهنة على الصعود الريادي العالمي للاقتصاد الصيني. لكن ما يجدر ذكره هو تنامي الصين كقوة رفعت ميزانيتها العسكرية بنسبة 17% في العام الماضي، وأصبحت تجيد التصويب في الفضاء أيضاً حيث أطلقت صاروخاً أحال أحد أقمارها للأرصاد الجوية إلى نثار.

وفي حرب الشبكة المعلوماتية انطلق في عام 2007 من الأراضي الصينية حوالي 37 ألف هجوم ضد المواقع الالكترونية الأميركية. أما روسيا فقد ارتفع حجم الناتج الإجمالي المحلي فيها عام 2007 إلى ثلاثة أضعاف ما كان عليه عام 2002.

وتحدت روسيا العالم الغربي بغرس علمها في قاع محيط القطب المتجمد الشمالي معلنة سيادتها عليه، وتتخذ إجراءات فعالة مضادة لمشروع نظام الإنذار المبكر الأميركي في أوروبا الشرقية، وغيرها من الأنشطة العسكرية التي وضعت روسيا من جديد نداً عسكرياً لأميركا.

لقد سقط نهائياً، وعلى كل المستويات، ما سمي بمشروع القرن الأميركي الجديد Project for the New American Century الذي أعلن قبل عشر سنوات، ليحل محله مشروع القرن الصيني الجديد على حد تعبير هنري بورتر، الذي ينصح الولايات المتحدة بأنها إذا أرادت بالفعل إقناع الطبقة الوسطى في الصين وروسيا بأنها قادرة على قيادة العالم في القرن 21، فإن عليها أن تتقيد هي ذاتها بالقيم الديمقراطية التي تريد أن تغرسها في بلدان العالم الأخرى. وعليها أن تفعل شيئاً أكثر إيجابية في مكافحة التغيرات المناخية للعالم 2007,12,23 The Observer.

وإذا كانت الحيرة تنتاب فوكوياما على مستوى «مثالية» النموذج الاقتصادي الاجتماعي الأميركي، فإنها على المستوى الاقتصادي تنتاب كبير اقتصاديي «دويتشه بنك» ديفيد نوده الذي صرح في بداية العام الجديد: إننا في حيرة.. السؤال الوحيد الماثل أمامنا هو هل ستبدأ أميركا مرحلة الكساد.

ويضيف بأنه اليوم أميل للاعتقاد بأنها لن تبدأ، وأنه سيحدث تباطؤ في معدل النمو، لكنه لن يكون سلبياً، وأن المصارف المركزية مستعدة لعمل أي شيء كي لا تسمح للأزمة بالانتشار متجاهلة حتى خطر التضخم Le Monde, 02.01.2008.

ولعل مارتن فيلدشتاين، اقتصادي جامعة هارفرد، رئيس المكتب الوطني لتحديد زمن بداية وانتهاء فترات الأزمة الاقتصادية، يريد أن يبدد حيرة زميله الألماني في الاتجاه السلبي حين يحيله إلى الحائر الأكبر: سيبدو مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في حيرة من أمره. فهو لن يستطيع لا رفع سعر الفائدة لمكافحة التضخم، ولا خفضها لحفز النمو الاقتصادي Le Monde 19.12.2007

أجل.

فعندما يتحد الكساد والتضخم معاً فإنهما يشكلان الكساد التضخمي stagflation وهي الخلطة الانفجارية التي سبق وأن ضربت الاقتصاد الأميركي والعالمي في سنوات السبعينات. وفي 16 ديسمبر الماضي حذر ألن غرينسبان من أنه حتى ولو أن الاقتصاد الأميركي لم يدخل مرحلة الكساد التضخمي بعد، إلا أن أعراضه الأولية قد بدأت.

ويعزز اقتصادي شركة Fidelity الخبير في توزيع الاستثمارات رأي غرينسبان في تصريح لوكالة بلومبيرغ تريفور غريتيم: سنصطدم بلا شك بجرعة زائدة من الكساد التضخمي في عام 2008، وإنني أشك تماماً في أن الوضع سيتحسن في الأشهر الثلاثة المقبلة.

شهادات كبار الاقتصاديين معززة بالأرقام والتحليلات التي يصعب على راشد تجاهلها. وإذا كان واقع اقتصاد الأميركيين سيفرض عليهم تحديات كبرى في العام 2008، فإن هذا العام سيحمل تحديات خاصة من نوعها للبلدان المرتبطة بالاقتصاد الأميركي دون فكاك رغم التأكيدات المستمرة من اقتصاديين عالميين وعرب وخليجيين على خطورة هذا الارتباط، خصوصاً بالدولار ومقاصد السياسة النقدية والمالية الأميركية.

فهذه السياسة، يقول د. ناصر السعيدي، كبير الاقتصاديين في مركز دبي المالي العالمي تناقض السياسة المالية في الخليج الذي يسجل نسب نمو قياسية وضغطاً في الطلب مقابل محدودية العرض.. مما يتطلب رفع أسعار الفائدة لا خفضها. ما نراه اليوم أن أسعار الفائدة الفعلية هي سلبية Le Monde 19.12.2007 .

إن عدم امتلاك الأدوات المالية الفعالة يفقد بلداننا القدرة على اختيار الاتجاهات الأكثر جدوى لتطور اقتصادنا الوطني. وهذا أهم درس يجب استخلاصه من الأزمة الاقتصادية الأميركية وانعكاساتها العالمية والخليجية.

غير أن دروساً كثيرة أخرى يمكن استخلاصها، خصوصاً بعد أن أخذ ينبه إليها أحد كبار أيديولوجيي اقتصاد السوق، السير أندرو كروكيت Le Monde 19.12.2007، نذكر منها: أن الاحتكارات يمكن أن تتطور في الضد من مصلحة التوزيع الفعال للموارد، وبالتالي تضر بالمستهلكين. والاستنتاج إما إلغاء الاحتكار تماماً، أو تنظيم الاحتكارات والرقابة عليها بشكل صارم.

وان من الضروري ضمان شفافية السوق لكي تتوفر لدى الجميع معلومات كافية من أجل اتخاذ القرارات الصحيحة. وأن الانهيارات المالية تحدث عالمياً بشكل دوري، ولذلك فإن سوء أداء آليات السوق يؤدي إلى الأزمات أحياناً. ولذا فمن الضروري جعل النظام المالي أكثر مرونة.

وفي حين أن كثيراً من الدول تصبح رهائن في أيدي الشركات العالمية والدائنين الدوليين، فإن هذه الدول تصبح معتمدة (غير مستقلة) بسبب عدم دراية القيادة الاقتصادية أو بعد سلسلة من حالات الفشل. وان فرض الضريبة التصاعدية على الدخل يعد واحدة من أهم أدوات الحد من التفاوت الاجتماعي، وذلك بالمناسبة لا يتناقض ومبادئ السوق الحر.

هذه توصيات من أحد دعاة حرية السوق، بعد دراسات نظرية وخبرات عملية طويلة، قالها في مقابلة حملت عنوان «مستقبل السوق العالمية» Washington ProFile 15.11.2007، فهل سنستوعبها بعد فوات الأوان؟

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com