يبدو إن التأريخ المعاصر للإنسانية يعيد نفسه في بداية كل قرن من الزمان مع أنه من الناحية العلمية ليس هنالك تكرار في الأحداث إلا في مخيلة من لا يؤمن بالتطور. ولعل الصدفة أو غيرها هي التي تحدد مسارات الأمم في بعض الأحيان أو قد تكون هنالك معادلة صعبة لا يمكن فهمها تتحكم في مسارات هذه الأمم وتحدد مصائرها وتجبر الإنسان على التصور بأن الأمور تسير بشكل مغاير لما تريده الإنسانية في أحيان كثيرة.

توقفت كثيراً أمام ظاهرة فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي الذي يصعد نجمه باستمرار على المستويين الداخلي والعالمي، ذلك الإنسان الذي يشكل تحدياً لم يحسب حسابه، للعالم الرأسمالي المتقدم، بوتين القادم من روسيا التي تحمل ضمير الشرق، روسيا المختلفة من حيث التأريخ والحضارة والثقافة والقيم.

فشتان بين أحلام وأطماع قادة العالم الرأسمالي المتقدم المتخمين بالمال والقوة وأحلام ذلك القادم من ركام الاشتراكية المتعب والمتهالك، القادم من الإمبراطورية التي خسرت الصراع مع الغرب و رفعت راية الاستسلام البيضاء أمام الإمبراطورية الرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة في بداية العقد الأخير من القرن الماضي.

لا أدري لماذا خطر على بالي ذلك التشابه بين الاسمين الأولين لاثنين من أبرز القادة الروس (فلاديمير لينين و فلاديمير بوتين): الأول قاد ثورة ليس في روسيا وحدها بل في العالم أجمع، فولدت روسيا الحديثة في العقد الثاني من القرن المنصرم تحت مسمى جديد هو الاتحاد السوفييتي الذي حمل راية المعاداة للرأسمالية العالمية.

واندلعت في إثر مولده حرب باردة وصراع بين منظومتين فكريتين تستندان إلى مؤسستين تنفيذيتين وضعتا نصب أعينهما توجيه اقتصاد بلديهما ليخدم أمن كل منهما بالدرجة الأولى وأوجدتا تبعاً لذلك قفزة نوعية في تعزيز قدرات الإنسان على صناعة أدوات ووسائل التدمير الهائلة، وقد استمر ذلك الصراع لمدة تزيد على سبعة عقود من الزمان.

وعلى الرغم من أن حرباً حقيقية لم تقع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي أبان تلك الحقبة الزمنية الطويلة إلا أنها شهدت تغيراً كبيراً في الخارطة السياسية العالمية، فقد بعث ذلك الصراع آمال الشعوب في التحرر من ربقة المستعمر في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وأحيت شعوب هذه القارات طموحات سبارتاكوس قائد ثورة العبيد التي أوشكت في حينه أن تقوض جبروت الإمبراطورية الرومانية، وكانت الروح الروسية هي المحرك والمحفز والداعم لتطلعات الشعوب المقهورة في مختلف بقاع العالم.

مشهد جدير بالتأمل والتفكير بين عالمين، الأول ولد في العقد الثاني من القرن العشرين وولدت معه دولة جديدة تحمل رؤية جديدة وآمالاً جديدة داعبت مخيلة وأحلام مئات الملايين في العالم للسعي نحو حياة أفضل، والثاني ولد مع بداية القرن الحادي والعشرين وهو يعيش نشوة الانتصار على تلك الدولة التي كانت حلماً لكل كادحي العالم وخاصة في دول العالم الثالث.

كان الحلم أن تنهض الشعوب المغلوبة على أمرها وتحول عالم الأمنيات الذي تعيشه في خيالها إلى عالم حقيقي واقعي تجني منه ما تحلم به، وتحقق الحلم في بناء ديمقراطية حقيقية تكون فيها الغلبة للأغلبية من صناع الحياة وليس لأقلية من المستغلين.

إلا أن ذلك الحلم لم يكن غير حلم لم يمنحه الواقع مساحة للظهور، فصيرورة الأحداث تتأتى بتوافر صناعة عناصرها وهي الأوفر مع الأقوى اقتصاديا والأقوى سياسياً. هكذا تحطم الحلم الذي راود مئات الملايين من صُناع الحياة في مختلف بقاع العالم أمام الواقع الجديد، وتحطم في الوقت نفسه أمام الممارسات الخاطئة لمن حمل هذا الحلم وبشر الآخرين بقرب تحقيقه بعد سبعة عقود من الزمان.

فلاديمير بوتين التلميذ البارع في مدرسة المخابرات الروسية، القادم من مدينة تناقضت أسماؤها بتناقض المدارس الفكرية والسياسية بين روسيا لينين وروسيا القيصر، كانت بطرسبورغ فصارت لينينغراد ورجعت كرة أخرى بطرسبورغ . إلا أن الاسم الأول للرئيس بوتين هو نفس الاسم الأول لقائد الثورة في روسيا وفي العالم أجمع مطلع القرن العشرين ( فلاديمير) الذي يعني في اللغة الروسية (حاكم العالم).

إطلالة فلاديمير الثاني على روسيا وعلى العالم أجمع تأتي في مرحلة مختلفة عن إطلالة فلاديمير الأول، فبين الإطلالتين قرن من الزمان تقريباً وبينهما فارق كبير في الرؤى والأهداف، وكأن روسيا في موعد مع العالم بين مرحلتين لا يجمع بينهما إلا الاسم الأول للزعيم. ومع اختلاف الظروف، إلا أن الرجلين يشكلان مرحلتين مهمتين من مراحل تطور العالم، المرحلة الأولى هي مرحلة الثورة والمرحلة الثانية هي مرحلة صناعة وخلق التوازن بين الشرق والغرب، إن العالم يشهد تحولات غريبة، بين الحنين للمرحلة الطوبائية والمثالية وبين الحلم والواقع.

نحن نعيش في حقبة زمنية تمتد بين زعيمين مهمين لهما شأن كبير في الساحة السياسية الدولية لا مجال لهما إلا أن يلعبا الدور السياسي المناسب لدولة كبيرة الحجم والتأثير مثل روسيا، الفارق الزمني بين مرحلتيهما هو قرن من الزمان، كلاهما أثبت وجوده من خلال خروجه على الأجندة المحلية إلى الأجندة العالمية، فالموقع الذي يشغله لا يسمح بغير ذلك.

وإذا كانت وسائل الإعلام الغربية قد حرصت على عدم منح فلاديمير الأول ما يستحقه من ظهور إعلامي على المستوى العالمي، فهي لا تجد مفراً من اختيار فلاديمير الثاني لتحتل صورته غلاف واحدة من أكثر مجلات العالم انتشاراً وهي مجلة التايم التي توزع في كل أرجاء المعمورة.

فلاديمير بوتين، الزعيم الوطني الروسي والرجل الذي أعاد لروسيا المهابة والقوة والمكانة التي تليق بدولة تحتل أراضيها نصف القارتين الأوروبية والآسيوية، ضميرها الذي يحمل على كتفيه وهجها و كبرياءها بعدما اعتقدت الدولة الإمبريالية الأولى في العالم أنها سحقت روح الدولة الروسية وقضت على كبريائها وأنها خلقت عالماً أحادي الجانب لا منافس لها فيه.

هي التي تأمر، وترسم، وتخطط، وتزرع صواريخها في أي بلد تختار، وترسل جيوشها المظفرة إلى هذا البلد أو ذاك. إنه الملك الجديد للأرض بصورة جديدة تنسجم مع روح القرن الجديد، روح روسية جديدة سوف لن يغيب وجودها بمغادرة بوتين كرسي الرئاسة في هذا العام، فالرجال العظام لا يغادرون الساحة السياسية بل يتنقلون من موقع مهم إلى موقع مهم آخر.

لقد أشعل بوتين الصراع بين القوتين العظمتين من جديد، ولكن على أسس جديدة للعبة، تختلف اختلافاً جذرياً عن الأسس التي قام عليها الصراع قبل قرابة تسعة عقود، فالصراع في الفترة الأولى كان يأخذ طابعاً عقائدياً وفكرياً، إلا أنه الآن أبعد ما يكون عن هذا المنحى، روسيا بوتين ليست روسيا لينين، روسيا بوتين دولة رأسمالية ناشئة.

بدأت الشركات الكبرى فيها تعمل للسيطرة على محاور الدولة ومؤسساتها السياسية، وتتصارع فيها على مواقع النفوذ، والعالم اليوم عالم النفط، وليس غريباً أن يكون بوتين ( كما يشاع ) هو المسيطر والنافذ في كبرى شركات الغاز في روسيا، كما أن تشيني وآخرين من النافذين في أميركا لا يبتعدون عن كارتلات النفط والسلاح، إنه صراع إمبراطوريات.

كما أنه صراع مؤسسات اقتصادية عملاقة. المهم أن تعرف الشعوب المقهورة كيف تستطيع أن تستفيد من هذا الصراع وأن توظفه لتحقيق مصالحها الوطنية، وعالمنا العربي المحتلة أراضيه في فلسطين كما في العراق أحوج بلدان العالم إلى الإفادة من مثل هذا التنافس.

رئيس وحدة الدراسات - البيان