لو لم يكن رئيس كينيا مواي كيباكي منتمياً إلى أكبر وأقوى قبيلة في البلاد «قبيلة الكيكويو»، لما ترددت الولايات المتحدة في التضحية به لصالح زعيم المعارضة رايلا أودنغا.
ليس معنى هذا أن الرئيس كيباكي زعيم وطني يناهض الهيمنة الأميركية على بلاده ومواردها الاقتصادية، كما قد يتبادر إلى الذهن. الحقيقة هي أن كلا هذين الخصمين السياسيين يزايدان على بعضهما البعض في خدمة المصالح الأميركية.. وبالطبع مصالحهما الذاتية.
لماذا إذن فقد كيباكي رضا واشنطن؟
لأنه ببساطة بلغ أو تجاوز تاريخ صلاحيته كشخصية حاكمة. فهو أولاً أصبح معتل الصحة مع تقدمه في السن، وثانياً انفضح أمره كعميل للولايات المتحدة بعد انقضاء خمس سنوات منذ عام 2002 على إدارته للسلطة.
لذا تراءى لواشنطن استبدال عميل بعميل جديد ذي صورة مقبولة جماهيرياً.. فوقع اختيارها على رايلا أودنغا. أودنغا اشتراكي تائب، كان قد تلقى تعليمه الجامعي في ألمانيا الشرقية الشيوعية سابقاً. وبعد أن طلق الاشتراكية الماركسية دخل دنيا المال والأعمال مستفيداً من وضع عائلته الثرية.
ولهذه الشخصية ظاهر وباطن ظاهرياً وعلنياً، يطرح اودنغا نفسه كنصير للطبقات الفقيرة وصديق للنقابات العمالية، من خلال وعود بتبني برامج تنموية طموحة، ووعود أخرى برفع الظلم عن الكادحين.
أما باطنياً فانه يطرح نفسه سراً في دائرة ضيقة نخبوية، دائرة رجال الأعمال وكبار السماسرة المرتبطين بكبار موظفي الدولة وفساد النظام الحاكم. في عملية الانتخابات الرئاسية التي جرت الأسبوع الماضي، كانت الولايات المتحدة ومن ورائها الغرب تراهن على أودنغا.
وكانت واثقة من فوزه. ومما لا شك فيه أنها من وراء ستار أعدت كل ما يلزم لفوزه، بما في ذلك التمويل الدعائي. لكن جماعة الرئيس كيباكي لجأوا إلى تزوير النتائج.
ولو كان أودنغا شخصية مناهضة للولايات المتحدة ومصالحها انطلاقاً من دوافع وطنية، لما ترددت الإدارة الأميركية ـ قياساً على السوابق الأميركية في العالم الثالث ـ في الموافقة على النتائج المزورة.
لكن الإدارة الأميركية وجدت نفسها في حيرة، لأن الأمر لا يقتصر على تنافس بين زعيمين سياسيين فقط أو حتى بين حزبين: «حزب الوحدة الوطنية» الذي يتزعمه الرئيس كيباكي، و«الحركة الديمقراطية البرتقالية» بقيادة أودنغا، فقد دخل على الخط العامل القبلي.
هذا هو تفسير الاشتباكات الدموية التي عمت البلاد وأسفرت عن ما يقارب 250 قتيلاً. فقد اندلع ما يشبه حرباً أهلية عفوية بين الكيكويو ـ قبيلة الرئيس ـ واللاوو ـ قبيلة غريمه.
والآن أين يتجه الوضع؟
واشنطن لا تريد مناصرة أحد المتنافسين على الآخر، مع إصرار العميل العتيق كيباكي على التمسك بالسلطة مسنوداً من قبيلته، وإصرار العميل الجديد عن فوزه الانتخابي بعد أن ثبت فعلاً التزوير في النتائج.
لا خيار إذن أمام واشنطن سوى محاولة استنباط صيغة سياسية تصالحية يقبلها الغريمان، كأن تقنع الطرفين باقتسام السلطة من خلال تشكيل حكومة ائتلافية مرحلية أو إعادة الانتخابات بعد فترة قصيرة.
هكذا تتخبط الاستراتيجية الأميركية في القارة الإفريقية، لأن أصحاب هذه الاستراتيجية لا يأخذون في الاعتبار أن الولاء السياسي المحلي في البلدان الإفريقية جنوب الصحراء، يحكمه في نهاية المطاف الانتماء القبلي.