انطلاقا من مسئولياتها القومية‏,‏ ودورها الريادي في المنطقة العربية‏,‏ وارتباطها التاريخي بالقضية الفلسطينية‏,‏ رفضت مصر كل الضغوط الإسرائيلية‏,‏ وفتحت معبر رفح البري من جانبها ليعود حجاج غزة الى منازلهم آمنين مطمئنين‏,‏ بعد أن أوضح الرئيس حسني مبارك في حديثه الى صحيفة يديعوت أحرونوت منذ أيام أن مصر دولة إسلامية كبرى لا تستطيع منع الحجاج من أداء فريضة إسلامية‏,‏ وأن ما تدعيه إسرائيل عن استغلال بعض هؤلاء رحلة الحج في تدريبات عسكرية وأمور أخريى,‏ غير صحيح‏,‏ وفقا لكل المعلومات الموجودة لدى مصر‏.‏

وقد أثار الموقف المصري الشجاع حفيظة الإسرائيليين‏,‏ لدرجة أن الكاتب الإسرائيلي جلعاد عاموس انتقد في مقال له أمس ـ بالصحيفة نفسها التي تحدث اليها الرئيس مبارك ـ موقف المسئولين الإسرائيليين الذين فشلوا في إثناء مصر عن موقفها‏,‏ وقال‏:‏ إن أحد كبار الجنرالات بوزارة الدفاع الإسرائيلية زار القاهرة منذ ثلاثة أسابيع‏,‏ وحذر المسئولين المصريين من أن بين حجاج غزة من سماهم إرهابيين من حماس‏,‏ تلقوا تدريبات في إيران‏,‏ وينوون تهريب كميات ضخمة من الأموال الى قطاع غزة‏,‏ من خلال معبر رفح‏,‏ لكن ما سمعه المصريون بأذن‏,‏ خرج من الأذن الأخرى دون جدويى.‏

وقال الكاتب الإسرائيلي إنه يجب التمييز بين ما يشعر به قادة إسرائيل‏,‏ وبين ما يجب أن يفعلوه‏,‏ فقادة إسرائيل تملكهم الخوف من تأثير مبارك‏,‏ الذي كان له عليهم مفعول السحر‏,‏ ووزير الخارجية هاجم نظيرته الإسرائيلية‏..‏ وآثر القادة الإسرائيليون الصمت‏.‏

وأضاف عاموس أن الصمت لزم أيضا ليبرمان وزير التهديدات الاستراتيجية‏,‏ وآفي ديختر رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي الشاباك‏,‏ اللذين كانا من أشد منتقدي الدور المصري على الحدود مع غزة‏.‏

واعترف الكاتب الإسرائيلي بأن المفاجأة المصرية صدمت إيهود أولمرت رئيس الوزراء ووزير دفاعه باراك‏,‏ ووزيرة خارجيته ليفني‏,‏ واتهم مصر بتجاهل كل التفاهمات التي تم التوصل اليها مع إسرائيل غداة فك الارتباط‏,‏ وفيما يتعلق بمسئوليتها عن حدودها مع قطاع غزة‏.‏

لكن ما لم يذكره الكاتب الإسرائيلي في مقاله‏,‏ أن مصر لم تتوقف يوما عن ممارسة دورها القومي العربي وبقوة‏,‏ وأن مصالح الشعب الفلسطيني كانت دائما هي البوصلة التي تحدد مسار الجهود المصرية في قضية العرب الأولى‏,‏ وأن تحقيق هذه المصالح كان دافعا أساسيا في الدور الريادي لمصر في التوجه نحو إقرار السلام العادل والشامل في المنطقة‏,‏ وفتح آفاق جديدة لتسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ منذ زيارة الرئيس الراحل أنور السادات الى القدس عام‏1977.‏

ورغم التزام مصر المعهود بكل الاتفاقيات والتفاهمات التي توقع عليها‏,‏ فإنها تمتلك حرية القرار الذي يتواءم مع المتغيرات السياسية والمصالح العليا للشعب المصري‏,‏ التي لا تنفصل عن المصالح العليا للشعب الفلسطيني‏,‏ ولدور مصر القومي في محيطها العربي‏.‏

لقد حاولت إسرائيل ممارسة ضغوطها على مصر بأشكال متعددة‏,‏ لكنها لم تستوعب الدرس حتى الآن‏,‏ فقد نشط اللوبي التابع لها في الكونجرس للتلاعب في المساعدات الأميركية لمصر‏,‏ وكان رد مصر واضحا وقويا‏:‏ إننا لا نقبل المساعدات المشروطة أو الإملاءات الخارجية‏,‏ والشعب المصري يأكل العيش بالملح ولا يتنازل عن كرامته‏.‏

وحاولت إسرائيل الضغط على مصر لإثنائها عن مواقفها الداعمة للشعب الفلسطيني أحيانا‏,‏ أو محاولة بث بذور الفرقة بين المصريين والفلسطينيين أحيانا أخري‏,‏ وفي كل الأحوال كان الفشل هو ما تحصده إسرائيل‏,‏ فمصر ستظل دائما وفية لأمتها العربية‏,‏ ومنتصرة للقضية الفلسطينية‏,‏ وحاملة لمشعل السلام العادل والشامل‏,‏ لن تثنيها أي ضغوط‏,‏ ولا تستجيب لأي إملاءات‏,‏ ولا تتوقف أمام المزاعم الإسرائيلية المختلفة‏,‏ ولا تبتغي القيادة السياسية المصرية هدفا لأي قرار تتخذه سوي المصالح العليا للشعب المصري وأشقائه العرب‏..‏ هذه هي مصر‏..‏ وهذا هو الرئيس حسني مبارك‏.‏