ترافق زيارة الرئيس الفرنسي ساركوزي لمصر في نهاية العام المنصرم، مع زيارة المسؤول الإيراني البارز علي لاريجاني قد لا يكون مقصوداً، ولكنه يعطي بلا شك إشارات مهمة عن تطورات الوضع في منطقة تحفل بعوامل الانفجار.
زيارة الرئيس الفرنسي التي سلطت فيها الأضواء على صديقته الإيطالية الأصل «كارلا» كانت تحمل معها ملفات عديدة تبدو فيها فرنسا ساركوزي طرفاً أساسياً ويمكن أن يكون فاعلاً.. من الملف اللبناني إلى الفلسطيني إلى الإيراني وإلى العلاقات الفرنسية العربية وخاصة مع دول المتوسط في ضوء مشروع ساركوزي لاتحاد دول المتوسط المثير للجدل.
وزيارة المسؤول الإيراني (وإن كانت زيارة خاصة) كانت استمراراً للانفتاح المصري (والعربي) الأخير على طهران خاصة من جانب القاهرة والرياض،و هو انفتاح لم يأت من فراغ بل بدأت خطواته الأولى في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تدفع نحو تأجيج الصراع السني ـ الشيعي في المنطقة،
وتضغط من أجل ما أسمته محور الاعتدال العربي بقيادة مصر والسعودية في مواجهة محور طهران ـ دمشق تمهيداً لحرب كانت احتمالاتها كبيرة حتى صدور تقرير المخابرات الأميركية الشهير عن توقف البرنامج النووي العسكري منذ سنوات.
الخطوات الأولى للتقارب المصري (والعربي) مع طهران كانت سابقة للتقرير، وكانت محاولة لوقف الاندفاع الأميركي نحو الحرب، ولكن خطوات التقارب ازدادت بلا شك مع تغير مناخ العلاقات الإيرانية ـ الأميركية في الشهور الأخيرة،
واعتراف أميركا بالتعاون المهم الذي أبدته إيران في تهدئة الموقف في العراق، وانفتاح الأبواب أمام تطورات مهمة على صعيد العلاقات الإيرانية ـ الأميركية لابد أن تلقي بتأثيراتها علي المنطقة العربية.
زيارة الرئيس الفرنسي الذي ربط سياسة بلاده بواشنطن كما لم يحدث منذ سنوات، وزيارة المسؤول الإيراني في ظروف تتزايد فيها أجواء التهدئة بين واشنطن وطهران، كان من الممكن أن تكون دلالتهما محدودة حتى وهما تسبقان بأيام قليلة الزيارة المهمة التي يقوم بها الرئيس الأميركي لمصر
وبعض دول المنطقة لولا المناخ المتوتر الذي أشاعه قرار الكونغرس الأميركي بشأن المعونة الاقتصادية لمصر ولولا الأزمة التي أثارتها الاتهامات الإسرائيلية الرسمية لمصر بالمساعدة في تهريب السلاح إلى غزة عبر الأنفاق السرية، والرد المصري الذي كان الرئيس المصري نفسه أحد أطرافه علي هذه الاتهامات المزعومة.
والملاحظ هنا أن القاهرة حرصت ـ حتى الآن ـ على إبعاد الإدارة الأميركية عن الجدل، وأنها وجهت الاتهام إلى إسرائيل وإلى اللوبي الصهيوني في الكونغرس الأميركي. فإسرائيل ـ وفقاً للقاهرة ـ زورت أشرطة مصورة عن مساعدة الجنود المصريين في تهريب السلاح إلى المقاومة الفلسطينية في غزة ، واللوبي الصهيوني تلقف هذه الادعاءات في محاولة للضغط على مصر وفرض الشروط عليها، وهو أمر حرصت القاهرة على تأكيد رفضها له،
والموقف الآن في يد الإدارة الأميركية التي تستطيع تجميد قرار الكونغرس، وهو ما تتوقعه القاهرة. ولكن ذلك ـ حتى لو حدث ـ لا ينفي أن هناك أزمة، وأن آثارها لن تزول بسهولة وأن الضغوط الأميركية لن تتوقف على مصر في الفترة القادمة.
والقصة لا تتعلق فقط بتعليق مبلغ لا يتجاوز مئة مليون دولار وربطه باشتراطات يعرف أعضاء الكونغرس أن الحكومة المصرية لن تقبلها. بل ولا يتعلق الأمر بمجمل المعونات الاقتصادية التي تتجاوز بقليل الأربعمئة مليون دولار وتنخفض سنويا بنسبة معينة.
بل وربما لا تتعلق بالمساعدات العسكرية الأكبر والتي تقدمها الولايات المتحدة لمصر منذ توقيع المعاهدة مع إسرائيل والتي ترتبط بالحفاظ على «السلام» بين مصر وإسرائيل. و إنما الأمر يتعلق بسياسة أميركية (وإسرائيلية) في المنطقة تتهم القاهرة بأنها غير متعاونة في تنفيذها بالقدر المطلوب
وذلك بدءاً من فلسطين والسودان بأهميتهما الاستراتيجية لمصر إلى العراق ، إلى المواجهة مع إيران وإلى القيادة الأميركية الجديدة في أفريقيا التي مازالت تبحث عن مقر! وطوال السنوات الماضية كان موسم إقرار المعونة الأميركية مناسبة لممارسة الضغوط وإثارة الحملات على مصر، وتقديم اقتراحات بإيقاف المعونة أو إرفاقها باشتراطات،
ولكن الأمور في النهاية كان يتم تسويتها. والجديد هذا العام أن الأمور تعدت مرحلة التهديد وتقديم الاقتراحات إلى إقرار الكونغرس للتعديل الذي يستقطع ما يقرب من ربع المعونة الاقتصادية ويربط صرفها باشتراطات هي تدخل سافر في الشؤون الداخلية لمصر.
وأيا كان الأمر بعد ذلك وسواء لجأت الإدارة الأميركية إلى تجميد قرار الكونغرس وصرف المبلغ المتجمد أو التزمت بهذا القرار فإن الضرر قد وقع. والقرار المهين أعاد فتح ملف المعونة الأميركية في مصر، خاصة مع ارتباط قرار الكونغرس بالحملة الإسرائيلية على مصر،
والملاحظ هنا أن الحكومة المصرية حين رفضت قرار الكونغرس واتهمت اللوبي المرتبط بإسرائيل بأنه وراءه، حرصت على نقل القضية إلى الرأي العام المصري بالتأكيد على أن موقف الكونغرس «لن يلقى من الشعب المصري وكل القوى الوطنية المصرية إلا الرفض «.
وهي رسالة تعرف واشنطن معناها، وتعرف أن الرأي العام المصري لا يرفض فقط مثل هذا القرار، بل ويرفض مجمل السياسات الأميركية في المنطقة ، ويطالب حكومته بموقف آخر من هذه السياسات المنحازة ضد المصالح العربية.
لقد فتح ملف المعونة الأميركية لمصر، وأيا كان قرار الإدارة الأميركية في هذا الصدد فإن الملف لا ينبغي إغلاقه، والمهزلة السنوية التي ترافق إقرار هذه المعونة لا يمكن أن تستمر. وتصرف واشنطن وكأنها تملك ـ بهذه المعونة ـ أوراق الضغط التي يمكن أن تمارسه على القاهرة لابد أن يتم التعامل معه بصورة تختلف عما كان يحدث في السنوات الماضية.
فواشنطن تعرف أنها المستفيد الأكبر من هذه المعونة، وأنها لم تستخدمها فقط في الحفاظ على المعاهدة المصرية - الإسرائيلية والتي أعادت إسرائيل قبل أيام رفض تعديلها رغم القيود التي تفرضها على مصر، ولكنها أيضا استخدمت المعونة في دعم اللوبي المناصر للسياسات الأميركية داخل مصر، وفي تمرير «روشتة» صندوق النقد الدولي بكل آثارها السلبية اقتصاديا واجتماعيا.
وواشنطن تعرف أن استغناء مصر عن المعونة الأميركية سيحملها عبئاً كبيراً خاصة في ظل ظروف اقتصادية صعبة ، وفي ظل ارتباط العديد من الدول والمنظمات الدولية بالقرار الأميركي ، وفي ظل غياب استراتيجية عربية تدرك أن تحرير القرار المصري من مثل هذه الضغوط هو أهم الخطوات التي يمكن أن تبني مشروعاً للأمن العربي المشترك.
لكن واشنطن تعرف أيضا أن استغناء مصر عن معونتها سيمثل انتكاسة هائلة لكل مخططاتها في المنطقة، وستكون له ردود أفعاله الهائلة في كل المحيط العربي شعبياً ورسمياً. وهي تعرف كم كلفتها سنوات الصدام مع مصر ،
ولكنها مازالت تتصرف على أنها القوة الحاكمة الوحيدة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ولا تدرك أن العالم يتغير،وأن مشروعها الإمبراطوري قد سقط وهو في بدايته ، وأن توازنا جديداً للقوى سوف يفرض نفسه في العالم ، وستمتد آثاره إلى المنطقة.
يكفي أن نقف أمام نقطة واحدة.. فمنذ أعلنت مصر عن استئناف برنامجها النووي السلمي وإنشاء عدد من المحطات النووية للطاقة والأمور تتفاعل بهذا الشأن. وفي الوقت الذي كان مسؤولون إسرائيليون يصورون الأمر على أنه كارثة تهدد أمن إسرائيل.. كانت روسيا تسعى للتعاون في هذا الشأن استناداً إلى سنوات سابقة من التعاون المشترك في هذا المجال.
وكان هذا أيضا أحد الموضوعات المطروحة في ملف مباحثات ساركوزي في القاهرة بعد نجاحه في عقد صفقات مماثلة مع دول المغرب العربي، ويلاحظ هنا أن ساركوزي حرص في تصريحاته بالقاهرة على تأكيد التمايز بين سياسة باريس وواشنطن وأن فرنسا ليست ذيلاً للولايات المتحدة الأميركية.
ومن ناحية أخرى ومع تحفظ القاهرة على تصريحات المسؤول الإيراني علي لاريجاني عن إمكانية تعاون البلدين في المجال النووي، فإن الملاحظ أن هذا التحفظ لم يستبعد الأمر كلية.. بل كان يركز على أن الأمر «سابق لأوانه» وأن استقرار علاقات إيران مع الدول الأخرى فيما يتعلق بملفها النووي لابد أن يسبق أي حديث بهذا الشأن.
المشهد يقول إن قواعد اللعبة تتغير بسرعة، وأن أطراف الصراع تدرك أنها أمام عام قد يكون حاسماً في المنطقة، وكل طرف يحاول استخدام كل الأوراق التي يملكها لترجيح كفته وتحقيق مصالحه، بينما يبقى العرب مفتقدين للاستراتيجية الواحدة التي تحقق الأمن العربي بمعناه الشامل،
وفي غياب هذه الاستراتيجية تتفاوت المواقف..يتقدم البعض ويتراجع البعض ويتنازل البعض ويقاوم البعض، ولكن تبقى الحقيقة الأساسية أنه لا يمكن لأي قطر عربي أن يحقق لنفسه وبمفرده الأمن والاستقرار والتقدم وكل عام وأنتم بخير.
كاتب صحافي مصري