أثناء حديثه إلى مواطنيه مساء 31 ديسمبر الماضي بمناسبة حلول عام 2008 وصف «الاتحاد المتوسطي»، الذي كان قد أطلق الدعوة لتحقيقه عشية انتخابه رئيساً للجمهورية، أنه «حلم حضارات». وتحدث الرئيس الفرنسي في نفس الإطار عن «سياسة الحضارات» التي يريد أن يجعلها نهجاً لبلاده.
وفيما هو أبعد من الرغبة الواضحة في «التأشير»، رفضاً، لمفهوم «صدام الحضارات» لصاحبه المفكّر الأميركي صموئيل هنتنغتون، فإن الرئيس الفرنسي لم يوفر جهداً ولا مناسبة من أجل التمجيد بفضائل «اتحاده» المتوسطي.
بل واعتبر أن دفع هذا المشروع إلى الأمام يمثّل إحدى المهمات الأساسية التي تنتظر فرنسا في فترة رئاستها للاتحاد الأوروبي اعتباراً من مطلع شهر يوليو 2008 ولمدة ستة أشهر، المعروف أن الرئيس ساركوزي كان قد حدد شهر يونيو 2008 موعدا لعقد اجتماع في باريس بين بلدان حوض المتوسط المعنية بمشروع «الاتحاد».
ومن المغرب إلى الجزائر فتونس فليبيا فمصر التي أمضى فيها الرئيس الفرنسي عطلة نهاية عام 2007 والتقى في نهايتها بالرئيس المصري حسني مبارك كان مشروع الاتحاد المتوسطي بين أولوياته.
بدأ الحديث عن الاتحاد المتوسطي كـ «شراكة» وانتهى إلى وصفه، في مسار تصاعدي، بـ «حلم حضارات». بل اعتبره الرئيس الفرنسي أنّه مهمة جيل، حيث قال أثناء لقائه بعدد من المثقفين ورجال الأعمال المصريين في مقر سكن السفير الفرنسي في القاهرة: «ما كان آباؤنا قادرين على عمله في أوروبا، أريد أن يفعله جيلنا بالنسبة لحوض المتوسط».
مشروع الاتحاد المتوسطي ترافق أيضا في أطروحات الرئيس الفرنسي مع مهمة أخرى حددها لبلاده. . عندما قال أمام مجموعة من الأشخاص في القاهرة ونقلته عنه صحيفة «لوموند» الباريسية ما مفاده: «أوروبا هي عائلتي والغرب هو عائلتي ولكنني سوف افعل كل ما في وسعي من أجل أن تكون فرنسا جسرا بين الغرب والشرق».
لا شك أن الرئيس الفرنسي رجل ديناميكي ويريد تحريك البحيرات الساكنة. ثمّ إن المنعطفات الكبرى في مسيرة البشرية بدأت بفكرة، بحلم. مع ذلك يبقى الفرق كبيرا بين الرغبة وبين إمكانية تحقيقها والمسافة لا تزال بعيدة قبل أن يصبح الاتحاد المتوسطي حقيقة قائمة وواقعاً ملموساً له محلّه من «الإعراب» في موازين القوى الدولية.
العقبات أمامه كثيرة وكبيرة. والشكوك تحوم حول مضمونه نفسه. ويبدو للكثيرين أنّه «أعرج» منذ الولادة. ذلك أنّه يقوم على أساس علاقات غير متكافئة بين ما جرت العادة بتسميته الشمال والجنوب.
بين المركز والمحيط. بين بلدان «تستقبل» المهاجرين وبلدان «تصدّرهم» وأيضاً وأساساً بين دول «شمالية» عرفت كيف تقيم فيما بينها حالة من التكامل الحقيقي ودول «جنوبية» بقيت كل محاولات الوصول إلى حد أدنى من برمجة أي عمل مشترك بينها مجرّد حبر على ورق.
بهذه المعاني كلّها يمكن لمشروع الاتحاد المتوسطي أن يكون «نسخة جديدة» من صيغ قديمة في العلاقات بين شمال المتوسط وجنوبه. صيغ فرضتها الجغرافيا وبسببها التاريخ. بالتالي قد يكون هذا الواقع بأبعاده ومعطياته حائلاً حقيقياً أمام الوصول إلى الإحساس بانتماء متوسطي «موحّد».
من جهة أخرى لا يحتاج الأمر إلى خبرة وخبراء لرؤية المرامي الاقتصادية لمشروع الاتحاد المتوسطي الذي يعني فيما يعنيه تشجيع بلدان الجنوب على شراء المنتوجات والتكنولوجيات الأوروبية. بالمقابل ستقدم أوروبا مساعدات. هنا تصبح الأرقام مهمّة.
وكمؤشّر فقط كانت أوروبا قد كرّست مبلغ 20 مليار على مدى عشر سنوات في إطار الشراكة الأوروبية المتوسطية بينما كانت الولايات المتحدة الأميركية قد قدّمت مبلغ 125 مليار لأوروبا في إطار مشروع مارشال الشهير بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً ما بين عام 1947 وعام 1953. مشاريع التنمية «لا تعمل بالكلام الجميل». والمسألة ليست مجرّد سوق للتجارة.
المشاريع ـ الأحلام كلّها جميلة وطموحة في العادة. ولكن لها، في العادة أيضا، مراميها المعلنة. . وربما الأهم منها «غير المعلنة». فهل يمكن لمشروع الاتحاد المتوسطي أن يكون، مثلا، حلا بديلا لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؟.
إذا كانت بلدان جنوب المتوسط قد أبدت قبولا «دبلوماسيا لطيفا» بمشروع الرئيس الفرنسي، فإن هذا المشروع يواجه النفور، إن لم يكن الرفض الكامل من قبل شريك كبير لفرنسا في الاتحاد الأوروبي هو ألمانيا. المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كانت في غاية الوضوح عندما اعتبرت في مطلع شهر ديسمبر الماضي في برلين أن مشروع الاتحاد المتوسطي يعيق مسيرة الاتحاد الأوروبي.
وقالت: «يمكن لألمانيا أن تشعر أنّها معنية أكثر بأوروبا الوسطى والشرقية، وفرنسا مشدودة أكثر إلى الاتحاد المتوسطي. وهذا قد يرخي العنان لقوى انفجارية داخل الاتحاد الأوروبي ولا أريد حدوث ذلك».
وكان الناطق الرسمي باسم المستشارة الألمانية أكثر وضوحا عندما صرّح يوم 9 ديسمبر الماضي لوكالة الصحافة الفرنسية قوله: «لن يكون هناك اتحاد متوسطي كما يقترح الرئيس الفرنسي وإنما تطوير للمشاورات بين الاتحاد الأوروبي والمنطقة المتوسطية». كما تحدّث عن «تحسين مسار برشلونة» الخاص بالشراكة الأوروبية ـ المتوسطية. البون شاسع وعميق بين «المشاورات» و«التحسين» و«حلم الحضارات».
هذه المواقف الألمانية جاءت كرد مباشر وسريع وعنيف على تصريحات الرئيس الفرنسي أثناء زيارته الرسمية إلى الجزائر عندما قال أمام طلبة جامعة قسنطينة: مثلما عرضت فرنسا على ألمانيا سابقا بناء اتحاد أوروبا على أساس الصداقة الفرنسية ـ الألمانية،
فإن فرنسا جاءت اليوم كي تقترح على الجزائر بناء الاتحاد المتوسطي على أساس الصداقة الفرنسية ـ الجزائرية. ولم تتردد المستشارة الألمانية في القول إن تصريحات الرئيس الفرنسي خطيرة و«تؤدي إلى تفسخ الاتحاد الأوروبي في نواته الأساسية».
فرنسا وألمانيا لا ترددان إذن نفس «الأنشودة المتوسطية» وإيطاليا واسبانيا وغيرهما من البلدان المعنية لكل منها «نغماتها» الخاصّة. لكن مع ذلك كله، ورغم ذلك كله، يبقى بيت القصيد في تحديد مستقبل الاتحاد المتوسطي، تقدما أو تقهقرا،هو في موقع آخر. إنّه في فلسطين. فمن هنا يمكن الحديث فعليا وواقعيا عن «حلم حضارات» في حوض المتوسط وعن أشكال قادمة قابلة للحياة، تضامنا أو شراكة أو توحيدا.
لقد أكّد الرئيس الفرنسي في العديد من تصريحاته وفي جميع البلدان العربية التي زارها التزامه بقيام الدولة الفلسطينية المستقلّة. واعتبر عدم قيامها «ظلما لن تسمح به فرنسا». هذا كلام هام من رئيس ميله الشخصي باتجاه إسرائيل معروف لا يجهله أحد ولا هو يخفيه.
بقي اقتران القول بالفعل. فإلى أي مدى يمكن للرئيس الفرنسي أن يجعل من إيجاد حل حقيقي في فلسطين رهاناً مستقبلياً فرنسياً وأوروبياً قد يتطلّب الالتزام فيه الخروج من، وربما مخالفة، النهج السياسي الأميركي والمنطق الإسرائيلي كله في حوض المتوسط؟!
هذا هو الرهان الأساسي ونقطة الانطلاق الصحيحة.. بكل الحالات «الحصان الذي يخطئ في نقطة الانطلاق لا يكون أبدا بين الأحصنة الفائزة عند نقطة الوصول». حكمة تصحّ في سباقات الخيل وفي غيرها كذلك
كاتب سوري