هل صحيح أن أميركا تتآكل من الداخل اقتصادياً وأخلاقياً؟ هذا سؤال أخذ مؤخراً يطغى على أعمدة الرأي في الصحافة الغربية.
في مقالة افتتاحية الأسبوع الماضي قالت مجلة «الإيكونومست» اللندنية إن السنوات الخمس الأخيرة أحدثت «تحولاً مريراً» في المزاج العام في المجتمع الأميركي يتجلى أكثر ما يتجلى في نتائج استطلاعات رأي تفيد بأن ثلاثة أرباع الأميركيين يعتقدون الآن أن أميركا باتت «على السكة الخطأ»،
وأن عليها أن تقلص تدخلها في شؤون العالم، وتمضي المجلة في سرد تفاصيل هذا التحول قائلة إن ثقة المجتمع الأميركي في السلطة تتراجع بمعدل متسارع مع تدهور سمعة الكونغرس ومؤسسة الإدارة الأميركية وبالتالي تشيع بين فئات المجتمع روح تشاؤم متنامٍ تجاه المستقبل، ولكن ما هو السبب؟
تقول المجلة إن الناس في الولايات المتحدة سئموا من مسلك الإدارة الأميركية وسياساتها بما انعكس سلباً على القوة العظمى فأخذت تخسر رصيد عظمتها. الحرب في العراق ـ تضيف الايكونومست ـ دمرت صورة أميركا كعملاق في نظر نفسها ونظر العالم.
فالعراق أصبح يعني بالنسبة للشعب الأميركي شيئين فقط: الفوضى الشاملة وفضائح سجن أبوغريب بعد أن انكشفت تماماً خدعة نشر الديمقراطية التي روجت لها الإدارة الأميركية لتبرير الغزو.
وبنظرة إلى الوراء أصبح كل أميركي يدرك أن إدارة بوش استغلت مناخ الرعب الذي ساد في أعقاب تفجيرات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن لاتخاذ قرار على عجل لإقحام الولايات المتحدة في حرب.. أولاً على أفغانستان وثانياً على العراق.
والآن وبعد مرور ست سنوات على الأولى وما يقرب من خمس سنوات على الثانية، فإن النتيجة ليست فقط هزائم تتلوها هزائم دون أمل واقعي في تحقيق نصر نهائي، وإنما هي أيضاً انحدار غير مسبوق لحركة الاقتصاد الوطني الأميركي بسبب الانفاق المتصاعد على الحرب بمئات المليارات من الدولارات.
هذا هو نصف الصورة الراهنة، والنصف الآخر المكمل هو أيضاً استغلال الإدارة لتفجيرات سبتمبر من أجل تحويل أميركا من الداخل إلى دولة بوليسية، بحيث انه لم يعد للمواطن الأميركي العادي خصوصية محترمة، فقد دخل المجتمع الأميركي عصر الرقابة الأمنية التكنولوجية بالكاميرات والتنصت على مكالمات الهواتف المحمولة.
أجل لقد خلقت تفجيرات سبتمبر مناخ رعب.. فتلك كان المرة الأولى التي يعرف فيها الأميركيون «حرباً» تشن داخل الأراضي الأميركية. ومن هنا طرأ تساؤل بين فئات المجتمع الأميركي: لماذا يكرهوننا؟
ومع مرور الأيام تطور هذا التساؤل ليتخذ منحى خطيراً: إلى متى نعرض أنفسنا للخطر بسبب إسرائيل والتزامنا بحماية أمنها إلى درجة التضحية بالمصالح القومية الحيوية للولايات المتحدة في الخارج وأمن المجتمع الأميركي في الداخل؟
واتخذ التساؤل منحى أخطر حين انتقل من همس متبادل إلى مقالات صحافية صريحة بأقلام كتّاب أعمدة مرموقين مثل هنري سيغمان في الصحافة الأميركية وروبرت فيسك في الصحافة البريطانية.
المجتمع الأميركي يعيش محنة أخلاقية يضاعف من حدتها الانعكاسات السالبة للتدهور الاقتصادي على معيشة الأسر العادية وإرهاب الأجهزة الأمنية الداخلية، ولعل أفضل ما يعبر عن هذه الحال كتاب صدر حديثاً للمفكر الأميركي باتريك بكانات، ويكفي أن نلحظ العنوان لنعرف على الفور ما أراد أن يقوله المؤلف، فالعنوان هو: «يوم الحساب: كيف تؤدي الايديولوجية الجديدة والجشع إلى تمزيق أميركا».