أهمية نتائج الجولة الأولى من انتخابات التصفية الحزبية، لمعركة الرئاسة الأميركية؛ أنها تشي بمدلولات حول المزاج، الراجحة كفته في صفوف الناخبين؛ والذي قد يقرر اختيار الرئيس الأميركي الجديد، في نوفمبر المقبل.

فعملية الغربلة بين المرشحين، الديمقراطيين والجمهوريين، التي جرت في ولاية «أيوا» تدل، فيما رست عليه، بأن هناك جنوحاً وازناً نحو طرفي النقيض؛ في الساحة السياسية: إما باتجاه أقصى اليسار الليبرالي ـ بالمقاييس الأميركية ـ ؛ وإما باتجاه أقصى اليمين المحافظ المتدين ـ وليس المحافظين الجدد، هذه المرة ـ.

مزاج ينأى عن الوسطية؛ التي كان من المفترض فوز رموزها؛ كرد فعل على سنوات بوش المتشددة وتركتها المعطوبة، التي أطاحت برصيده وهبطت به إلى حوالي 30%. وهو رقم قياسي في تاريخ الرئاسة الأميركية.

الناخب الأميركي، عادة، وسطي. الحزبي الملتزم والمتحمس، شريحته ضئيلة. القاعدة الانتخابية لكلا الحزبين متحركة. في أحسن أحوالها لا تتجاوز ثلث الناخبين وأقل. المستقلون، المتنقلون بين الاثنين، حسب الترشيحات والبرامج، هم بيضة القبان.

مرة يستقطبهم محافظ، مثل الرئيس الراحل ريغان. ومرة انشدوا إلى ديمقراطي وسط، مثل كلينتون. حتى في انتخابات التصفية الحزبية وخاصة في حلقاتها الأولى، يسود التوازن، إجمالاً؛ في توزع الأصوات على المرشحين.

نادراً ما تكون الفروقات وازنة، بين المرشحين. كذلك يكون الإقبال على الاقتراع، من العيار الوسطي. وغالباً ما تأتي النتائج متوافقة أو على الأقل قريبة من التوقعات. لكن المزاج الانتخابي، هذه المرة، تمرّد على المألوف، كما على الاستطلاعات والتوقعات؛ ومن كل الجوانب.

كسر الاعتبارات والمعايير والأرقام. ولاية المزارعين البيض، من أصل أوروبي، يعطي الديمقراطيون فيها أصواتهم، لمرشح من الأميركيين السود ـ والده من كينيا وامه أميركية من البيض ـ. تأييد سخيّ وضعه على مسافة 8 نقاط من المرشح الثاني ادواردز و9 نقاط من هيلاري كلينتون. والملفت كان استقطابه لأهم شريحتين: الناخبون الشباب والنساء والمستقلون؛ وبأرقام قياسية.

اختراق، له أبعاد هامة؛ من حيث انه غير مسبوق، وانه يأتي في هذه اللحظة بالذات. صحيح أن السناتور الفائز، اوباما خريج هارفارد وخطيب كاريزمي مفوّه؛ وتملك حملته إمكانات مالية جيدة. لكن تجربته السياسية حديثة. هو عضو في مجلس الشيوخ منذ 2005 فقط.

ولونه كان دائماً الحاجز الأكبر حتى في مجرد التفكير في الترشيح، ولو لمجلس الشيوخ ـ هو الأسود الوحيد فيه ـ ناهيك بالرئاسة. بقايا العنصرية، لم تغادر الوعي الأميركي بعد. فإن يتجاوز كل ذلك، تطور يشير إلى بوادر تحوّل هام. وربما يدل على وجود استعداد لكسر المتوارث والانتقال إلى طور جديد.

وإذا كان اختيار أوباما في هذه الولاية وبهذه القوة، قد أثار دهشة المراقبين والمحللين، فان اختيار الجمهوريين لأحد رموز المحافظين المتدينين لم يكن أقل إثارة، بكثير. فحاكم ولاية اركنسو السابق ـ ولاية كلينتون ـ شخصية سياسية غير معروفة. لم يبرز نجمه إلا في الأسابيع الأخيرة. فجأة أطاح بمنافسيه، الألمع اسماً والأقوى حملة انتخابية.

المحافظون في الولاية اقترعوا له، وهو رجل دين سابق، من موقع الإيمان بأطروحاته ذات الخلفية الدينية. طبعاً لا يزال من المبكر سحب هذه القراءة على مسار المرحلة الأولى من العملية الانتخابية الرئاسية. فهذه بالكاد بدأت.

وليس من المتوقع أن تتبلور خواتم التصفية قبل مطلع مارس المقبل. لكن نتيجة «أيوا» هذه السنة لا يصح تجاهلها واعتبارها بداية عادية. ما انتهت إليه ينطق بالجديد أسود وامرأة وقس سابق وبأن أميركا قد تتجه نحو الانتخابات وهي مقسومة بين أقصى يسارها ـ اوباما وادواردز وأقصى يمينها ـ هاكابي وجولياني ـ. وفي ضوء ايوا وماتركه عهد بوش يبدو حظ الديمقراطيين أكبر وأقوى.