غداً ستكون الأزمة اللبنانية المتفاقمة البند الأول ـ إن لم نقل الوحيد ـ المطروح على اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ، وكل ما نتمناه أن ينجح العرب في ما فشلت في تحقيقه المبادرات والمحاولات السابقة، أكانت من أهل البيت أم من الخارج.

الحل لا يحتاج إلى عصا سحرية أو معجزة إنما يحتاج فقط إلى إرادة قومية عربية تساندها وترفدها إرادة وطنية لبنانية بعيدة عن تأثيرات خارجية صار واضحاً أنها تعطل الحلول وتعرقلها. ‏

العرب قادرون على حل مشكلاتهم بأنفسهم إذا أرادوا المصلحة القومية دون أن يتأثروا بالضغوط الخارجية، وتحديداً بالضغوط الأميركية، واللبنانيون بدورهم قادرون على حل الأزمة بأنفسهم دون اللجوء إلى الأسرة العربية إذا كانوا يعملون من أجل لبنان، وليس وفق أجندة أميركية ألزم فريق منهم نفسه بتنفيذها على حساب البلد، وعلى حساب العرب أيضاً. ‏

اليوم أصبح واضحاً أن أياد خارجية تعبث بأمن لبنان والعرب، وتعرقل الحلول تحقيقاً لأهداف أميركية وإسرائيلية خالصة. ‏

كما أضحى واضحاً أن سقوط المبادرة الفرنسية التي دعمتها سورية وتوافق عليها اللبنانيون ـ بمن فيهم فريق السلطة ـ لأن أمر العمليات صدر من واشنطن، ومن الرئيس جورج بوش شخصياً، عندما حشر أنفه في أدق تفصيلات الشأن الداخلي اللبناني، فأصدر أمر العمليات بالتعطيل إن كان عندما أمر فريق 14 شباط بانتخاب رئيس لبنان بالنصف زائد واحد، أو بالإيعاز لفريق الأكثرية النيابية بالتصعيد ورفض المبادرة الفرنسية، وإيفاد ديفيد وولش إلى بيروت مرتين للإشراف المباشر على تنفيذ أمر العمليات الأميركي نفسه. ‏

يعترف رئيس تيار المستقبل بأنه تراجع عن موافقته على المبادرة الفرنسية بحجة أنها صياغة سورية وهذا التبرير لا نستغربه لسببين: الأول اننا اعتدنا على حشر اسم سورية في كل ما يجري في لبنان والمنطقة من قبل هذا الفريق الذي يردد دائماً الاتهامات الأميركية ويزيد عليها، والثاني هو عدم قدرة فريق 14 شباط على الاعتراف بأنه ينفذ أوامر العمليات الأميركية وأنه منخرط في المشروع الأميركي. ‏

ليسأل هذا الفريق الفرنسيين عن مبادرتهم التي قامت على حتمية أن يكون الحل توافقياً وأن تقف فرنسا على مسافة واحدة من كل الأطراف اللبنانية، ليسأل هذا الفريق: من صاغ هذه المبادرة؟ وما العيب فيها إذا كان الهدف منها انتخاب رئيس للجمهورية يحظى بالتوافق، وشخصية العماد ميشيل سليمان تلبي ذلك، وبالتالي تشكيل حكومة وحدة وطنية وفق نسب التمثيل في المجلس النيابي؟! ‏

ما العيب والخطأ والجريمة في اعتماد صيغة الـ«لا غالب ولا مغلوب» التي كانت ستخرج لبنان من محنته، وتنهي حالة الفراغ الرئاسي والأزمة الحكومية؟! ‏

باختصار: العيب في كل ذلك أن يتخلى المرتهنون للأجنبي والمروجون للأجندة الأميركية عن تنفيذ أمر العمليات الأميركي مع كل ما يحمله ذلك من خسائر محتملة للفريق الذي يريد الاستئثار بالسلطة حتى لو كان ذلك على حساب لبنان وشعبه ومصالحه الوطنية والقومية. ‏

لنقلها بصراحة: إن أمر العمليات الأميركي أسقط المبادرة الفرنسية وأعاد الأزمة إلى المربع الأول، ودفع الأمور نحو التصعيد مجدداً. ‏

كل ذلك يكشف حقيقة التدخلات الخارجية في شؤون لبنان الداخلية لتعطيل الحلول ونشر الفوضى الخلاقة أو الهدامة لتحقيق نصر إسرائيلي ـ أميركي يمحو هزيمة تموز ويؤسس لحالة جديدة في هذا البلد وربما تكون أخطر من اتفاق 17 أيار سيئ الصيت والسمعة، والذي أسقطه اللبنانيون. ‏

سورية سعت من أجل المساعدة على تسهيل الحلول وتعاونت مع فرنسا، وأيّدت مبادرتها، لكن باريس أرادت أن تحمل سورية مسؤولية سقوط مشروعها في لبنان، ولم توجه اللوم إلى الجهة الحقيقية المعطلة، مع أن المفترض تحييد الدور الأميركي المعطل للحل والوفاق في لبنان، وهذا ما لم يحصل، بل حصل العكس. ‏

على الرغم من كل ذلك، فإن سورية على استعداد دائم للإسهام في التوصل إلى حل توافقي من دون ضغوط وقبل ذلك من دون تدخلات خارجية، وخاصة من قبل إدارة بوش التي لا تعمل إلا وفق المصلحة الإسرائيلية. ‏

غداً هناك فرصة على العرب أن يستغلوها لإيجاد حل للأزمة اللبنانية، ونرجو أن تنجح الجهود العربية وألاّ تتأثر بأجندات ومشاريع الآخرين، لأن أهل مكة أدرى بشعابها، ولأن الرهان على الأميركي لن يجلب إلاّ الكوارث.