انشغل المجتمع الكويتي في الأسابيع الماضية بقضية مزمنة وهي تجنيس غير محددي الجنسية أو ما يعرفون محلياً بالبدون، إذ قرر مجلس الأمة تفعيل قانون تجنيس ألفين من البدون، وهو التعديل الذي أدخل على قانون الجنسية قبل عدة سنوات والذي يمنح السلطة التنفيذية حق تجنيس ألفي شخص سنويا من تلك الفئة أو غيرها.
واعتبر ذلك العدد كحد أعلى واشترط أيضا أن يكون هؤلاء من ضمن الأشخاص الواردة أسماؤهم في الإحصاء السكاني الشامل الذي جرى في دولة الكويت في العام 1965.
وهو ثاني إحصاء سكاني عام بعد ذلك الإحصاء الذي جرى في العام 1957، وفضلا عن ذلك، قيد عملية التجنيس تلك بقانون يصدر من مجلس الأمة. وهناك شرط إضافي أيضا أن لا تكون ثمة قيوداً أمنية على المتجنس من قبيل تعاونه مع قوات الاحتلال العراقي إبان غزوها للكويت في العام 1990 أو انضمامه للجيش الشعبي العراقي.
وقد وضع هذا القانون موضع التنفيذ في العام 2000 فجنس دفعة قاربت الألفين عدداً، ثم تبعت بدفعة أخرى بالسنة التي تلتها بأقل من ذلك العدد، ثم توقفت عملية التجنيس تلك لعدم إصدار مجلس الأمة قانوناً بذلك الخصوص، أي تجنيس ألفي شخص وفي هذه الأثناء جنست الحكومة أبناء المتجنسين الذين كانوا راشدين وقت حصول آبائهم على الجنسية، إذ كان القانون لا يشملهم بل يشمل المتجنس وزوجته وأبناءه القصر.
وهي أيضا قامت بتجنيس أعداد من أبناء الكويتيات المتزوجات من أجانب اللائي هجرهن أزواجهن أو طلقوهن طلاقا بائناً. وعلى كل حال، فأعداد من جنسوا من الفئتين لم يتجاوز الألف.
ومنذ توقف تجنيس البدون وتفعيل مواد قانون الجنسية بالذات الفقرة الثالثة من المادة الخامسة التي ذكرناها سلفاً والضغوط النيابية وضغوط مؤسسات المجتمع المدني بازدياد، فإذا كان التجنيس في المجتمع الكويتي له معارضون بالذات في أوساط الحضر وما يمثلهم من نواب وصحف ومراكز قوى اقتصادية وسياسية، فإن ثمة تياراً مضاداً في المجتمع يريد طي صفحة البدون بتجنيسهم أو بأضعف الإيمان إعطائهم حقوقا مدنية كحق التعليم والعلاج المجانيين وفتح سبل الرزق الحلال أمامهم.
ولعل ما يقوي حجة المجموعة الأخيرة هو أن الإجراءات الحكومية التي اتخذت منذ عقدين وعلى وجه التحديد منذ العام 1976 لم تفلح في حل تلك المشكلة، مع ما لها من تداعيات اجتماعية وأمنية، وما تشكل من تشويه لسمعة الكويت في المنظمات الدولية والإنسانية، فضلا عن الظروف المأساوية التي يعيشها هؤلاء، وهو العنصر الأهم بطبيعة الحال.
بيد أن البعض يجادل بأن تلك الإجراءات، التي تتمثل في الضغط والحرمان من أجل أن يكشف هؤلاء عن جنسياتهم الأصلية، قد أفلحت في تقليص من يدعون أنهم من البدون. فقد كان عددهم قبل الثاني من أغسطس للعام 1990 حوالي 221 ألفاً، ثم تقلص العدد بعد تحرير الكويت في العام 1991 وتسجيل هؤلاء البدون في سجلات وزارة الداخلية ليصل إلى حوالي 120 ألفاً، بمعنى آخر فإن مئة ألف من هؤلاء رجعوا إلى مواطنهم الأصلية بعد الغزو.
ثم تقلص العدد مرة أخرى إلى أن وصل عددهم حالياً إلى تسعين ألفاً، وعرفت جنسيات الكثيرين منهم. وهكذا استمر الجدل بين هذا الفريق المعارض للتجنيس، وذاك الفريق المؤيد، وهو جدل مازال مستمراً، فما كان من مجلس الأمة إلا أن استصدر قانوناً في العام الفائت (2007) ينص على إمكان تجنيس ما لا يتجاوز الألفي حالة.
وما أن وصلت الكشوف إلى مجلس الوزراء قبل أسابيع لإقرار تجنيسها حتى علا الصراخ وبدأت الضغوطات، خاصة وأن عدداً كبيراً من قائمة الألفين تلك كانت تجنيس وفق بند «الخدمات الجليلة»، وهذا البند هو تطبيق للفقرة الأولى من المادة الخامسة من قانون الجنسية الكويتي الصادر في العام 1959 وتعديلاته الكثيرة.
وتلك الفقرة تعطي الحق المطلق للحكومة بتجنيس من تراه قد قدم للدولة ما تعتبره «خدمات جليلة» استثناء من شروط التجنيس العادية المنصوص عليها في المادة الرابعة والتي تتمثل في أن يكون طالب الجنسية قد أقام في الكويت إقامة شرعية لمدة خمسة عشرة سنة للعربي وعشرين سنة لغير العربي، وأن يكون له مصدر للرزق، وأن يكون حسن السيرة والسلوك، وأن يعود تجنيسه بالمنفعة على البلاد.
يقول المؤيدون لتجنيس البدون إن هذه الفقرة مخرج قانوني للدولة لمنح جنسيتها لمن قدموا خدمات تعتبرها جليلة خاصة في حالة أولئك البدون الذين لا تندرج أسماؤهم أو أسماء آبائهم في إحصاء العام 1965، بالذات لمن شاركوا تحت علم الجيش الكويتي في معارك الشرف والفداء في سيناء والجولان.
ومن المعروف أن الجيش الكويتي قد شارك في حرب العام 1967 وكان متمركزاً على جبهة سيناء، وشارك أيضا في حرب أكتوبر للعام 1973، وكان متمركزاً في جبهة الجولان، وكان غالبية أفراده عندئذ من فئة البدون.
ولا شك أن معظم هؤلاء قد تجنسوا بالجنسية الكويتية في فترات سابقة لكن ظل القليل منهم ينتظرها إلى الآن، ولاشك أن هؤلاء ينطبق عليهم شرط الخدمات الجليلة. وثمة آخرين انخرطوا في المقاومة أثناء الاحتلال واستشهد البعض منهم أو أسر، وأيضا أولئك العسكريين الذين دخلوا الكويت أثناء التحرير، والذين مازال البعض منهم لم يحصل على الجنسية.
وثار المعترضون على «بند الخدمات الجليلة» وأخذت بعض الصحف المعارضة للتجنيس أو بعض كتابها بإيراد بعض الحالات المدرجة على قائمة التجنيس تحت ذلك البند متندرين عليها كحالة «البنجرجي الإيراني» التي أوردتها صحيفة الوطن، أو تلك التصحريات التي صدرت من رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي، وقبلها من الرئيس السابق أحمد السعدون وآخرين، والتي تحذر من التجنيس.
وتدعو إلى وضع ضوابط لبند «خدمات جليلة» ومن أقوى التصريحات المضادة كانت للنائب السابق عبدالعزيز العدساني الذي أكد فيه أن 85% من البدون تعاونوا مع الغزو «الوطن 20 /12/ 2007».
أما أطراف «الحكايات» في هذه المعركة فهي اتهام صحيفة الوطن لوزيري أوقاف سابقين على إنها سعيا لتجنيس شخصين أحدهما يمني والآخر عراقي. وقد رد وزير الأوقاف السابق السيد أحمد الكليب على الصحيفة قائلا عن اليمني الذي أفلح في تجنيسه: «أعتبره عمي.. ومواقفه رجولية في الغزو» وسرد قصته الرائعة التي يضيق المقام ببسطها (31 /12 /2007).
وقد أتت تلك الضغوط أكلها، إذ اكتفت الحكومة بتجنس ما عدده 573 شخصاً من القائمة، على أن تضع ضوابط لمن سيدرجون تحت بند الخدمات الجليلة. وإذا ما ظللنا في الكويت نعالج مشكلة البدون بهذه الطريقة فإن القرن الحادي والعشرين سينقضي ولما تزل هذه المشكلة معنا. ولله في خلقه شؤون.
كاتب كويتي