كيف يكون لدعوة السلطة الفلسطينية إلى التصالح مع حماس مصداقية بينما تعتزم السلطة القضاء على الحركة سياسياً وعلى فصيلها النضالي عسكرياً؟

في خطاب قبل بضعة أيام أعلن الرئيس أبومازن عن استعداده «لفتح صفحة جديدة» مع حماس. لكنه ما كاد ينطق هذه الجملة الاستهلالية حتى سارع إلى تكرار شروطه القديمة التعجيزية.

فقد اشترط أن تتخلى الحركة عن السلطة في قطاع غزة وأن تعترف بإسرائيل مقدماً من خلال إقرار «بشرعية» اتفاق أوسلو وأية اتفاقات أخرى تتيح لإسرائيل التحكم الأعلى في تقرير مصير الشعب الفلسطيني وأرضه.

وإضافة إلى هذه الشروط يطالب أبومازن بإجراء انتخابات عامة جديدة رغم أنه يقر ضمناً بصحة ومشروعية العملية الانتخابية البرلمانية التي اكتسحتها حماس وشهد العالم بنزاهتها.

التعجيز في الشروط لضمان رفضها من الجانب الآخر مقصود ومتعمد، لأن التحرك السياسي لقيادة السلطة الفلسطينية بات رهينة للإرادة الإسرائيلية الأميركية.

وبمقتضى هذه الإرادة الثنائية فإن قيادة السلطة باتت ملتزمة لدى سلطة الاحتلال الإسرائيلية والولايات المتحدة بدور محاربة فصائل المقاومة الوطنية لتجريدها من سلاحها.

وفي هذا الصدد تفيد آخر الأخبار أن اجتماعاً سيعقد قريباً بين وزير داخلية السلطة الفلسطينية عبدالرزاق اليحيى ووزير الأمن الإسرائيلي والقائد العسكري الإسرائيلي للمنطقة الوسطى بهدف رفع مستوى «التنسيق الأمني الميداني» بين الجانبين.

وعندما ننظر إلى الصورة في إطارها العريض فإننا ندرك أنه لم يعد للسلطة الفلسطينية أي اختصاص سلطوي.

ولنأخذ أحدث مثال: مع بقاء أكثر من ألفي مواطن فلسطيني على الجانب المصري من الحدود مع قطاع غزة عادوا بعد أداء فريضة الحج لأن السلطات الإسرائيلية تحظر دخولهم إلى ديارهم داخل القطاع عن طريق معبر رفح لإجبارهم على العودة عن طريق معبر كرم سالم الإسرائيلي لإخضاعهم لإجراءات أمنية، فإن السلطة الفلسطينية تبقى عاجزة عن تحرك فاعل وحاسم، بينما تتحرك القوات الأمنية للسلطة بنشاط في عمليات اصطياد كوادر المقاومة وما تشتمل عليه من مداهمات تتخللها اغتيالات واعتقالات.

قيادات السلطة الفلسطينية لا تكف عن «تبشير» شعبها بأنها تكافح سياسياً من خلال المفاوضات الجارية مع الجانب الإسرائيلي من أجل قضايا الوضع النهائي المصيرية: تحرير كامل الأرض من الاحتلال وحق العودة واسترداد القدس الشرقية لتكون عاصمة لدولة فلسطينية ذات سيادة وطنية.

لكن كيف يكون لهذا الكفاح السياسي أي حد أدنى من المصداقية إذا كانت قيادة السلطة عاجزة عن التعامل مع الهموم الفلسطينية الصغيرة نسبياً؟، وكيف تنجز السلطة تحرير الأرض وهي لا تستطيع فرض سيطرة على المعابر؟.

وعن إزالة الحواجز الإسرائيلية الإذلالية في أراضي الضفة والتي تعد بالمئات.. وعن وقف استمرار عمليات التوسع الاستيطاني، وعن كسر الحصار الشامل على أكثر من مليون ونصف المليون مواطن في قطاع غزة؟

ويبقى السؤال الأكبر: هل السلطة راغبة في التصدي لهذه القضايا لكنها تجد نفسها عاجزة؟ أم هي ليست أصلاً راغبة؟