تصعد إسرائيل من وتيرة اعتداءاتها الوحشية ضد الشعب الفلسطيني، كلما تعالت خطب السلام، وانطلقت الدعوات والتعهدات الدولية بقرب إقراره، في دلالة لا تخفي أن السلام على الطريقة الإسرائيلية عنوانه: مجازر ومذابح للمدنيين العزل، واجتياح وتدمير للمساكن والمؤسسات، واقتلاع للزرع.
وتنطلق إسرائيل في مشروعها العدواني من قاعدة أن السلام لن يتحقق مع الشعب الفلسطيني إلا عبر سلسلة من المجازر والاغتيالات تصفي للأبد عناصر المقاومة ـ العسكريين منهم والسياسيين ـ بحيث يبقى الطريق مفتوحاً أمام قادة الكيان الصهيوني لتمرير شروطهم وفرض النسخة الإسرائيلية للسلام.
والحاصل أن النسخة الإسرائيلية للسلام تتشكل من مفردات لا علاقة لها بأي معنى أو مبنى للسلام، بل هي مفردات من قاموس الاحتلال في أبشع صوره العنصرية. أي أن السلام يعني في المقام الأول تمديد وشرعنة الاستيلاء على أراضي الغير، وضمها، وطمس معالمها التاريخية، وتهجير أهلها وأصحابها الأصليين قسرا وقهرا.
وقبل أن تحين ساعة التفاوض مع من بقي من أصحاب الأرض المحتلة، يجب أن يتم تدجينهم وإخضاعهم لصنوف من الترويع والحصار والتجويع والإذلال، بحيث لا يبقى أمامهم سوى القبول بكل ما تمليه عليهم إسرائيل من إلزامات وتعهدات.
وتُظهر وقائع الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، ومدن الضفة الغربية فحوى السلام الذي تريده إسرائيل، فالمجازر لا تتوقف منذ اجتماع أنابوليس، وتتسارع وتيرتها مع قرب زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش للمنطقة، والشهداء والجرحى يسقطون بالعشرات يوميا، والمستوطنات تتمدد في محيط القدس وفى الضفة.
وعبر مسيرة أكثر من نصف قرن من الصراع مع إسرائيل، بقي هذا النهج في التعاطي مع السلام ثابتاً رغم تغيرات وتحولات لحقت بأشكاله ونسخه الحديثة التي تتكيف مع متغيرات العصر وتحولات موازين القوى الإقليمية والدولية. فعندما تميل الكفة لغير صالح العرب، تمعن إسرائيل في التشدد والمبالغة في إلزاماتها للعرب وفرض الشروط عليهم، وانتزاع التنازلات منهم، على النحو الجاري حتى الآن ومنذ سكوت المدافع بعد حرب أكتوبر المجيدة عام 1973.
ولا يخفى على المراقب أن موازين القوى تميل بشكل مخل إلى جانب إسرائيل، ليس بفضل قوتها، بل بسبب التفكك والتشرذم على الساحة الفلسطينية، ولغياب وحدة الصف العربي الرسمي والشعبي، هذا إلى جانب انحياز معظم القوى الكبرى إلى جانب إسرائيل، وهو ما أقر به رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت لصحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية أمس وقوله:
«بموجب تضافر ظروف وما يشبه (العناية الإلهية)، يتولى بوش رئاسة الولايات المتحدة، ونيكولا ساركوزي رئاسة فرنسا، وانغيلا ميركل مستشارية ألمانيا، وغوردون براون رئاسة الوزراء في بريطانيا. هل يمكن إيجاد تركيبة أكثر إيجابية من ذلك بالنسبة لإسرائيل؟» أي أن كل هؤلاء القادة يعتبرون أصدقاء لإسرائيل.
ولم يخف أولمرت حرصه على توظيف وجود هؤلاء في السلطة لصالح إسرائيل وقوله «اعتبر انه من الأفضل التوصل إلى اتفاق سلام قبل أن ينهي بوش فترته»، لأن بوش حسب رأيه، لا يفعل شيئاً إلا بعد الاتفاق معه.
على أن الطرف العربي مطالب ببذل الجهد للاستفادة من تضرر صورة إسرائيل في نظر الرأي العام العالمي، بوصفها دولة محتلة، لتعظيم عوامل الضغط على عواصم القرار الدولي لإجبار إسرائيل على التراجع عن مخططها العدواني ووقف بناء المزيد من المستوطنات في القدس والضفة الغربية، والتخلي عن مشروع تهويد القدس والاستيلاء على أجزاء من المسجد الأقصى.
وتضرر صورة إسرائيل عالمياً اعترفت به دوائر أكاديمية إسرائيلية وفقاً لبيان أصدرته دائرة العلاقات الإعلامية في الجامعة العبرية، فإن إسرائيل تستمر في نظر العالم كدولة محتلة. ويرفض الإعلام الغربي ممارساتها ضد الفلسطينيين. لكن، على الطرف العربي يقع عبء فضح الطابع العنصري لإسرائيل وحشد التأييد للحقوق العربية، والاستفادة من هذه المواقف لتغيير سياسات منحازة إلى إسرائيل، وجعلها أقرب للحق.
