الحديث عن الديمقراطية في العالم الثالث أصعب من الحديث عن أية قضايا حيوية أخرى مثل التنمية والمجتمع المدني والتحديث والتخلص من الفقر والصراعات العرقية. وربما يعود ذلك إلى أن الديمقراطية تتضمن في مستوياتها العميقة كل هذه القضايا وتساعد على نجاحها وتحقيقها. بل يمكن القول بأن الديمقراطية الحقيقية هي صمام الأمان لضمان نجاح كل هذه القضايا المجتمعية الهامة.

وفي الكثير من الأحيان يستعجل البعض حدوث الديمقراطية ويهلل لبعض التجارب الانتخابية العابرة بدون أن تستند تلك التجارب لأسس حقيقية راسخة في الواقع الاجتماعي المعاش.

فالديمقراطية تحتاج لوقت طويل ولتجارب عديدة ومتواصلة حتى يمكن التثبت والقطع برسوخها، من هنا فإن التسرع في الحكم على التجارب الانتخابية في العالم الثالث بتفاؤل كبير يمثل سبقا للأحداث وتعبيرا عن الرغبات أكثر منه تعبيرا عن حقيقة الواقع والأحداث. وتزداد الديمقراطية سوءا حينما ترتبط بالتطبيل الغربي وبالتدعيم الأميركي مثلما هو الحال في العراق ولبنان الآن.

وفي الكثير من الحالات يلجأ الغرب لتدعيم الكثير من التجارب الديمقراطية التي تلتقي مع مصالحه أكثر من أي شيء آخر، حتى ولو كانت هذه التجارب ضد مصالح الكثير من الجماهير، وبشكل خاص الفقراء منهم.

وتمثل الانتخابات الكينية الأخيرة مثالا واضحا على ذلك التسرع في الحكم على التجارب الديمقراطية، مع تجاهل المشكلات الحقيقية المتجذرة والمحيطة بتلك النوعية من التجارب الجديدة. فمنذ الانقلاب العسكري الفاشل الذي وقع في كينيا عام 1982، اعتقد الكثيرون بأن كينيا تمثل واحة الاستقرار والهدوء في منطقة شرق إفريقيا المليئة بالتوترات والصراعات العرقية والحدودية المختلفة.

ومع الاستقرار المتواصل الذي ارتبط إلى حد بعيد بالتحولات الاقتصادية في كينيا المرتبطة بالاستثمارات الأجنبية والتحالف مع رجال الأعمال المحليين، اعتقد الكثيرون بأن كينيا مقبلة على عصر دائم من الاستقرار والتحول الديمقراطي العميق.

لكن الانتخابات الكينية الأخيرة كشفت عن صعوبات جمة في طريق التحول الديمقراطي في كينيا، وأن الديمقراطية الحقيقية رهن بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية، وأن الشكل الانتخابي ما هو إلا التتويج النهائي لكل تلك التحولات المجتمعية العميقة.

فمع إعلان فوز الرئيس الكيني مواي كيباكي البالغ من العمر 76 عاما بفترة رئاسة ثانية اندلعت الاضطرابات العنيفة التي بدأها مؤيدو الوزير السابق المعارض رايلا أودينجا رئيس حركة الديمقراطية البرتقالية البالغ من العمر 62 عاما.

وهى الاضطرابات التي وصل عدد ضحاياها إلى أكثر من 150 قتيلا إضافة إلى أعداد غير محددة من الجرحى في مواجهات وصفت بأنها الأسوأ منذ الانقلاب العسكري الفاشل عام 1982.

وبرغم تضارب الآراء والبيانات بين الحكومة من ناحية وبين المعارضة من ناحية أخرى فإنه من الواضح أن هناك عمليات تزوير واسعة النطاق قد شابت هذه الانتخابات مثل نسبة الإقبال العالية التي حدثت في بعض المراكز الانتخابية بشكل لا يتناسب مع الأعداد المسجلة في تلك المناطق، وحدوث تناقضات في فرز الأصوات، إضافة إلى التلاعب في الأوراق الانتخابية. لقد كشفت تلك الانتخابات عن العديد من الأمور الهامة يمكن إجمالها فيما يلي:

1- أن الكثير من دول العالم الثالث، وبشكل خاص في أفريقيا، مازالت تواجه مشكلات حقيقية وعميقة في طريق التحول الديمقراطي. وأن فترات الهدوء النسبي التي تشهدها تلك الدول قد تخفي المزيد والمزيد من الاضطرابات الكامنة المختلفة. ففي الحالة الكينية كشفت تلك الاضطرابات عن انتشار واسع للفقر، وعن تدني مستوى معيشة ما يزيد على التسعين في المائة من إجمالي عدد السكان البالغ عددهم 35 مليون نسمة.

2- أن العوامل الاقتصادية ترتبط بغيرها من العوامل المختلفة وعلى رأسها المؤثرات العرقية التي لا تنطفئ حدتها في ظل التفاوتات الاقتصادية الحادة. ففي ظل غياب مفاعيل المواطنة الحقيقية التي تؤسس لمجتمع عادل وآمن ومستقر، تستند الجماعات إلى توجهاتها العرقية المختلفة، وتحافظ عليها إلى أن يأتي الوقت المناسب للإعلان عنها. وهو الأمر الذي كشفت عنه الانتخابات الكينية الأخيرة.

ففي ظل تصاعد أعمال العنف المتواصلة والتي اندلعت بشكل واسع المدى في المناطق الفقيرة المتعارف على تسميتها بمناطق الصفيح، اختلط الفقر بالأعراق بالتوجهات السياسية المختلفة. فقد كشفت تلك الأحداث أن معظم الاضطرابات حدثت بين طائفة الليوس المؤيدين لزعيم المعارضة أودينجا وبين طائفة الكيكويو المؤيدين للرئيس كيباكي.

كما أن معظم هذه الاضطرابات حدثت في المناطق الفقيرة جدا، ففي نيروبي سقط 40 قتيل، بشكل خاص في منطقة كيبيرا التي توصف بأنها أكبر مدن الصفيح في نيروبي، إضافة إلى العشرات من القتلى في منطقة كيسومو معقل مرشح المعارضة، وهى من المناطق الفقيرة أيضا.

3- أن الحكومات في العالم الثالث مازالت تتصرف على نحو مهيمن وبشكل خاص فيما يتعلق بملكية وسائل الإعلام وبالإفراط الواسع المدى في استخدام القوة ضد المعارضين. ففي التجربة الكينية منعت الحكومة الكينية أجهزة الإعلام المختلفة من نقل وقائع المؤتمرات الصحافية لزعيم المعارضة، بل إنها منعت أيضا نقل مظاهر الشغب والاضطرابات المختلفة في كينيا.

كما أن الحكومة الكينية لم تتردد في الاستخدام المفرط للقوة ضد معارضيها، وهو الأمر الذي أوقع أعدادا هائلة من الضحايا ما بين قتيل وجريح حتى الآن.

4- إن المؤشرات الاقتصادية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لكشف الصورة المجتمعية العامة. ففي الخلف من ارتفاع مستوى النمو الاقتصادي، ومن ارتفاع مستوى الاستثمارات الأجنبية، يوجد واقع آخر مشحون بالتفاوتات الطبقية الحادة، وبالفساد الواسع المدى. ففي الحالة الكينية كشفت الاضطرابات عن تفاوتات اجتماعية حادة بين الفقراء والأغنياء، وعن زيادة المناطق الفقيرة.

وتصاعد غير مسبوق في معدلات الفساد، رغم الصورة الجيدة التي بدا عليها الاقتصاد الكيني. ففي أحيان كثيرة، مثلما هو الحال مع التجربة الكينية، يتوجه الاقتصاد برمته نحو خدمة رجال الأعمال وخدمة الاستثمارات الأجنبية ومصالح بعض الفئات الخاصة، وهو الأمر الذي جعل رجال الأعمال يتحدثون عن حجم الخسائر التي تواجههم جراء اندلاع الاضطرابات وأثرها على الاستثمارات الخارجية.

5- إن الحالة الكينية تكشف بوضوح تام عن أن الفقراء مازالوا يستخدمون كوقود لكل التحولات الديمقراطية في العالم الثالث. فرئيس المعارضة أسس حملته الانتخابية على مساعدة الفقراء والوصول بالخدمات لكافة المناطق والفئات العرقية المحرومة.

ورغم الالتفاف الواسع المدى من جانب الفقراء حول زعيم المعارضة الكينية، فإن الأمر لا يسلم في المستقبل من تحولات سياسية جديدة لا تصب في الغالب الأعم في مصلحة الفقراء.

لقد كشفت الانتخابات الكينية عن عمق المأزق الذي يواجه الكثير من دول العالم الثالث، وبشكل خاص الدول الأفريقية حديثة العهد بالديمقراطية. كما كشفت عن أن التسرع في الحكم على تلك التجارب يقترب من الأمنيات أكثر من اقترابه من حقيقة الأوضاع ومآلها.

فما زالت هذه الدول في مرحلة الاختبار الطويلة الخاصة بالولادة الديمقراطية العسيرة. نتمنى للكينيين كل الخير والخروج السريع من دوامة القتل والاحتراب والهيمنة والفساد والاختلافات العرقية.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com