تعاني العديد من المجتمعات من ظاهرة اللاجئين منها وإليها، ويعتبر لجوء عدد كبير من العرب إلى الدول الأخرى من أبرز المشكلات التي تواجه هذه الأمة في تاريخنا المعاصر وتصل أعداد اللاجئين العرب من بعض الأقطار العربية إلى الملايين، ومن بعضها مئات الآلاف.
فما هي قصة لجوء العرب لدول أخرى عربية وغير عربية. نحن لا نتحدث عن الهجرة سواء الطوعية أو القسّرية لأسباب طاردة في بلدانهم وجاذبة في البلدان الأخرى، بل نتحدث عن اللاجئين واللجوء العربي إلى بلدان أخرى في معظمه قسّري، وتشتهر أو تتميز به دول عربية معينة.
أكبر لجوء عربي كان ولا يزال هو للشعب الفلسطيني فقد احتلت فلسطين من قبل بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى وفرض عليها الانتداب وصدر وعد بلفور البريطاني لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وبدأت الهجرة اليهودية إليها تحت مظلة الانتداب البريطاني ثم احتل الصهاينة فلسطين بمساعدة بريطانيا والغرب عام 1948م، وبدأ اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه.
وحدث اللجوء الفلسطيني القسري إلى دول عربية وأخرى غير عربية حتى أصبح أكثر من نصف الشعب الفلسطيني في الشتات، ولا يبدو أن هناك حلاً لهذه القضية ويعاني اللاجئون الفلسطينيون من ظروف صعبة سواء في المخيمات في دول الجوار أو في بلدان أخرى ترى في وجودهم عبئاً سياسياً واقتصادياً.
ثم اللاجئون اللبنانيون، وهم منتشرون في معظم دول العالم، في الدول العربية وفي الأميركيتين وفي آسيا وإفريقيا واستراليا وهذا اللجوء الذي سمي ولا يزال بالهجرة اللبنانية كان لأسباب أساسها الحروب الأهلية التي وقعت في لبنان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي النصف الثاني من القرن العشرين، وهجرة اللبنانيين أو لجوئهم أقل خطورة من اللجوء الفلسطيني حيث لا وطن والهوية مهددة.
بعد ذلك يأتي اللاجئون العراقيون. لقد كان عدد اللاجئين العراقيين خارج وطنهم في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين أربعة ملايين، والآن في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين خمسة ملايين + 2 مليون لجوء داخل العراق نزحوا من مدنهم وقراهم إلى مدن وقرى أخرى داخل العراق بسبب سوء الأحوال الأمنية.
وتتحدث المصادر عن أن هناك حوالي مليونين من اللاجئين العراقيين في سوريا، ونصف مليون في الأردن ومليونين في أوربا ومئات الآلاف في استراليا وأميركا والدول الاسكندنافية، وعشرات الآلاف في دول عربية مثل دول الخليج العربية ومصر ولبنان وغيرها. وأصبح العراق البلد الغني بلداً فقيراً، ويشهد عدم استقرار وعدم وجود الأمن.
أما اللاجئون العرب من المغرب العربي إلى أوروبا وغيرها فأعدادهم بالملايين، ويرجع تاريخ تركهم بلدانهم إلى العهد الاستعماري الفرنسي لكن المشكلة أن الظاهرة مستمرة وبوتيرة أكثر بعد استقلال دول المغرب العربي، والأسباب اقتصادية وسياسية.
لقد فشلت أنظمة الحكم في هذه الدول في تهيئة الأجواء وإيجاد الأمن وفرص العمل للملايين من سكانها لكي يستقروا في دولهم، إن الهجرة للخارج طبيعية في التاريخ لكن اللجوء للدول الأخرى هو المشكلة التي نحن بصددها والتي هي في الغالب قسرية.
أما اللاجئون الصوماليون، فإن الصومال لم يشهد استقرارا خلال العقدين الأخيرين، شهد حروبا أهلية قبلية وتدخلات من دول الجوار ومن غيرها والبلد فقير، جعلت تلك الأوضاع المضطربة عدداً كبيراً من السكان يهربون إلى المناطق المجاورة مثل اريتريا والسودان وكينيا وإثيوبيا وغيرها، ولما كانت الدول التي هاجروا إليها أيضاً فقيرة فإن أولئك اللاجئين يعانون معاناة مضاعفة. أضف إلى ذلك هجرة بعضهم داخل بلادهم بعيداً عن مناطق التوتر والصراع العسكري.
ومسلسل اللجوء يشمل كذلك السودانيين، فقد نشبت حرب في جنوب السودان مع الحكومة المركزية استمرت مدة ربع قرن قتل فيها مئات الآلاف وشرد مئات الآلاف إلى دول الجوار وإلى مناطق أخرى في السودان، وما كادت تهدأ الأحوال نسبياً في الجنوب حتى اشتعلت في غرب السودان في دارفور.
وهناك مئات الآلاف من المشردين واللاجئين من سكان دارفور في تشاد وداخل السودان، وداخل دارفور نفسها، ويعانون من أبسط حقوق الإنسان، ويعيشون تحت خط الفقر.
إن أغلب اللاجئين العرب عانوا ويعانون ظروفاً اجتماعية واقتصادية صعبة، لقد عانوا عند هروبهم وتركهم بلدانهم ويعانون من عدم وجود حقوق أساسية لهم في البلدان التي لجأوا إليها لأسباب عديدة.
فعدد من أبناء المغرب العربي لجأوا إلى الدول الأوروبية عن طريق قوارب صغيرة عبروا بها مضيق جبل طارق إلى أوروبا وغرق الكثيرون منهم وعدد كبير من اللاجئين تركوا بلدانهم بدون وثائق سفر لأسباب سياسية، ويترتب على ذلك مشكلات كبيرة عندما تكون الدول التي لجأوا إليها لا تقبل لجوءاً سياسياً بدون وثائق رسمية لقد لجأت أعداد منهم بشكل عائلي جماعي أو لجأ بعضهم ثم عمل على لجوء أقربائه لكن هناك من انقطعت بهم السبل، ومن فقد وغير معروف مصيره، وهناك من لم ير عائلته سنوات طويلة.
إن أعداداً من هؤلاء اللاجئين كانوا يعتقدون بأن لجوءهم سيكون مؤقتاً ريثما تتحسن الأحوال في بلدانهم فيعودون إليها، ولكن خاب أملهم فأوضاع بلدانهم تزداد سوءاً، ومن ثم تطول مدة لجوئهم وتستمر معاناتهم. إن أجيالاً من أبناء اللاجئين العرب ولدوا في بلدان اللجوء ولم يروا أوطانهم واكتسب عدد منهم جنسية الدول التي لجأ إليها آباؤهم، وربما لا يفكر عدد منهم بالعودة إلى وطنه.
إن الذين أتيحت لهم فرصة العودة إلى بلدانهم انقسموا قسمين بعضهم عاد ثانية إلى الدولة التي لجأ إليها عندما لم يستطع أن يتأقلم في بلده بعد فترة طويلة قضاها في المهجر، وبعضهم عاد واستقر لكنه يعاني أوضاعاً صعبة معيشية وإنسانية لأن الأحوال في بلاده لم تتطور.
ويبقى الموقف الدولي من أولئك اللاجئين وجماعات حقوق الإنسان. إن ما تقدمه الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان مجرد مسكنات لا تعالج المشكلة الأساسية لهذه الأعداد الكبيرة من البشر لأن المسألة لا تقتصر على اللاجئين العرب. كما أن مشكلات عديدة تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وظاهرة البطالة تضغط حتى على الدول المتقدمة لتعرقل أي محاولة لمساعدة اللاجئين.
ويبقى المستقبل مجهولاً على الأقل على المدى المنظور للاجئين العرب، والحل الجذري لهم هو استقرار أوضاع بلدانهم الأصلية وتنميتها وعودتهم إليها لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه ولم يدرك اللاجئون العرب حتى الحد الأدنى من أمنياتهم.
كاتب كويتي