تعيش روسيا الاتحادية وبقية العالم بدوله الكبرى والصغرى هذه الأيام حالة من التوجس والترقب لما ستؤول إليه الأمور في روسيا بعد انتهاء الفترة الأخيرة من ولاية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويأمل المتفردون في القرار العالمي حالياً في أن يرحل بوتين إلى غير رجعة، على اعتبار انه الزعيم الروسي الوحيد الذي تمكن من الوقوف بوجههم وبحزم وثبات لم يتعودا عليه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

وبالمقابل فان بقية قادة العالم وشعوبه يأملون في أن تجد روسيا توليفة معينة تسمح ببقاء الرئيس بوتين على قمة السلطة في روسيا لفترة جديدة، لأنهم يرون فيه المنقذ من تفرد الغرب وتحكمه بالقرار الدولي بكل تبعاته في الهيمنة على المستضعفين سياسياً واقتصادياً وحتى ثقافياً.

وفي الداخل الروسي يبدو المشهد مشابهاً إلى حد كبير فالقلة الذين تأثرت مصالحهم وقل نفوذهم، وسحبت أبسطة الفساد والمحسوبية من تحت أقدامهم يعملون جاهدين على إعاقة بقاء بويتن في السلطة أما الغالبية العظمي من الروس فإنهم يعملون على بقاء بوتين في منصبه لفترة رئاسية جديدة لأنهم وجدوا فيه المنقذ الحقيقي لهم ولبلدهم.

وبعيداً عن كل ذلك فان بوتين في تقديري الشخصي هو الخيار الأفضل بالنسبة لروسيا وللعالم أجمع، فبوتين هو الرئيس الذي أعاد للشخصية الروسية هيبتها ومكانتها، وأعاد لها الثقة بنفسها وبقدراتها، وبوتين هو الذي أعاد لروسيا كدولة مكانتها العالمية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

قبل بوتين ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي انهار في روسيا كل شيء.. الإنسان الروسي فقد ثقته بنفسه وبتاريخه ومستقبله وأصبح همه الأول كيف يجاري الغرب في ملبسهم ومشربهم، في تفكيرهم وفي نمط حياتهم، وتحول الإنسان الروسي من إنسان عريق منتج معتمد على نفسه إلى إنسان يجري وراء رغبات نفسية دنيئة كأن يلبس الجينز ويدخن السيجار ويعلك أي شيء.

وانهارت منظومة القيم والأخلاق وانهارت قيم العمل والعطاء وأصبح هم الغالبية من الروس منصباً على كيفية جمع المزيد من المال.. لا يهم إن كان ذلك عبر النصب والاحتيال أو عبر السرقة والاختلاس، ولا يهم إن كان ذلك على حساب الأهل أو الوطن، فقط المهم الحصول على المال فالغاية تبرر الوسيلة وقد كان ما كان ونجح الحاقدون في تحطيم الشخصية الروسية وتحويلها من شخصية قيادة عالمية إلى شخصية مهزومة من الداخل.

ومنذ أن جاء بوتين انقلبت الأمور رأساً على عقب وخلال سنوات حكمه عمل بوتين بكل حكمة وروية على إعادة الثقة إلى الإنسان الروسي بنفسه أولاً وبقدراته وبإمكانيات بلده، وبدأ الإنسان الروسي يستعيد نفسه وشخصيته وقيمه وهي الأسس التي تبنى عليها الحضارات، وتبعاً لذلك بدأت روسيا تستعيد مكانتها على الساحة الإقليمية والعالمية، وتحولت وفي زمن قياسي من إمبراطورية للتندر والتهكم إلى قوة يحسب لها ألف حساب.

تمكن بوتين من استعادة ثقة العالم بروسيا كقوة يمكنها أن تكون شريكاً فاعلاً ومؤثراً في صناعة القرار الدولي أكان ذلك في السياسة أم في الاقتصاد. كما يمكنها أن تكون عاملاً للتوازن وكاسراً للاختلال في ميزان القوى الدولي في ظل تفرد أميركي، قاد العالم إلى ويلات ومآسي لا حصر لها وجعل الناس ينامون على وقع الحروب ويصحون على هم الجوع.

إن العالم في تقديري الشخصي سيكون أفضل مع بقاء بوتين رئيساً لروسيا لفترة جديدة حتى يعاد صياغة النظام العالمي الجديد على أسس من التوازن والشراكة بمفهومهما الإيجابي الذي يضمن للجميع حقوقه ويصون حرياته.

وعليه فان بقاء بوتين هو خيار عالمي أكثر من كونه خياراً روسياً داخلياً، وعلى العقلاء في العالم أن يسعوا إلى بقاء بوتين كما على عقلاء روسيا وحكمائها أن يجدوا الوسيلة المناسبة لإبقاء بوتين حتى يكمل المسيرة وينهي المشوار الذي بدأه في سبيل استعادة روسيا لمكانتها وحجمها الطبيعي في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء ولا يهاب إلا أصحاب الهمم العالية.

بوتين الأفضل للعالم لأنه لا يؤمن بمنطق القوة والجبروت ولا يتعامل بهما، بل يؤمن بمنطق المبادئ والمصالح المشتركة ويعمل على أن تكون هي الحاكمة لتصرفات الناس والدول لخلق عالم أفضل. وهذا ما نطمح إليه نحن الذين لا حول لنا ولا قوة من شعوب ودول العالم الأقل نمواً.

alzakary@albayan.ae