ما يجري على السعودية في الوقت الراهن يشكل أحد فصول انزلاق التنظيمات والجماعات السياسية ذات الإسناد الإسلامي بمنطقة الخليج العربي إلى العنف المرير في أقصى مراحله المتعارف عليها، لتفتقد بذلك إلى الطابع السلمي النسبي الذي كانت تتسم به طيلة العقود التي خلت مقارنة بدول عربية وإسلامية أخرى.

خاصمت فيها هذه الحركة النظم السياسية القائمة، وسعت إلى إزاحتها بالقوة، فجوبهت بقوة أعلى درجة وأكثر تنظيما وديمومة، فانتهت بها الحال إما إلى التراجع التكتيكي، أو التشتت، أو التحول إلى «تنظيمات نووية»، تعمل في خفاء أشد، انتظارا للحظة تمكن أخرى، تخرج فيها من قمقمها، وتعاود نزال الحكومات من جديد.

وإذا كانت بعض الأطراف الدولية «المغرضة» قد وجدت في اتهام شباب ينتمون إلى عدد من دول مجلس التعاون الخليجي بتدبير وتنفيذ حدث 11 سبتمبر فرصة سانحة لممارسة ضغوط سياسية على حكومات هذه الدول، في سبيل تحقيق أهداف تتعدى المسائل الأمنية، فإن الحقيقة التاريخية تؤكد بجلاء أن النقلة النوعية لـ «الحركة الإسلامية الخليجية»، إن صح التعبير، من النهج «الدعوي السلمي» إلى «العنف المسلح» لم يكن، في جانب رئيسي منه.

بعيدا عن حال الاحتقان النفسي من الأداء السياسي لليمين الأميركي المحافظ حيال العرب، خاصة من زاوية مناصرة إسرائيل في جميع الأحوال. وتحاول دوائر صهيونية متنفذة في الإعلام الغربي، في سعيها إلى تحجيم الدور الخليجي المتنامي في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، أن تعزو هذا التحول إلى أداء الحكومات الخليجية نفسها، وهذا محض افتراء لأنه يجافي المعطيات التاريخية إلى حد كبير.

وبالعودة إلى التاريخ نجد أن منطقة الخليج شهدت ظهور أولى «الحركات الإسلامية المعاصرة» متمثلة في الدعوة الوهابية في القرن الثامن عشر. ولم تلبث أن انتشرت في الهند وجزيرة سومطرة وأنحاء متفرقة من أفريقيا ناهيك عن آسيا الوسطى والقوقاز.

ثم قامت جماعة «الإخوان المسلمون» في العقدين الخامس والسادس من القرن المنصرم بتكوين فروع لها في الكويت والبحرين إلى جانب العراق واليمن، ثم نزحت قيادات إخوانية مصرية إلى بلدان الخليج العربي هربا من ملاحقة النظام الناصري، فعززت تواجد الإخوان في هذه البلدان.

وقد طبع الإخوان بصماتهم بالفعل على عدد من «الجمعيات الإسلامية» الخليجية، مثل «المنتدى الإسلامي» و«جمعية الإصلاح» في البحرين، و«جمعية الإرشاد الإسلامية» و«جمعية الإصلاح الاجتماعي» في الكويت.

وتدريجيا قامت، إلى جانب الإخوان، جماعات سلفية، في مقدمتها «جماعة التبليغ والدعوة» التي ترجع أصولها إلى الهند، وجماعات شيعية متأثرة بالخمينية، وأخرى ذات توجه مستقل، كما استطاع «حزب التحرير» أن يجند له أنصارا في بعض دول الخليج، ونشطت في السنوات الأخيرة «الجمعيات» الدينية السنية، و«الحسينيات» الشيعية، التي تعمل في المجالات التراحمية أو الخيرية، ثم لم تلبث أن امتد نشاطها إلى السياسة مثل «جمعية الثقافة الاجتماعية» بالكويت، وجمعيات «الشباب المسلم» و«التوعية الإسلامية» و«الإرشاد الإسلامي» في البحرين.

وإذا كانت الحركة الإسلامية في بلدان الخليج العربية قد لجأت إلى أعمال العنف في أوقات سابقة، مثل المحاولة الفاشلة التي قام بها جهيمان العتيبي للسيطرة على الحرم المكي الشريف عام 1979 والخلافات السابقة بين الإخوان المسلمين والحكومة السعودية، والمواقف الاحتجاجية العنيفة للشيعة في البحرين ومحاولات التفجير التي وقعت بالكويت.

وما قامت به «تنظيمات إسلامية» غير مشروعة بسلطنة عمان، فإن (الإسلاميين) بدول الخليج، مقارنة بغيرهم، ظلوا لسنوات طويلة يعتبرون جماعات «أصولية غير نضالية نسبيا»، حسب تعبير ريتشارد هرير دكمجيان، وذلك لظروف سياسية واجتماعية واقتصادية خاصة، ترتبط باستمرار السمة القبلية للنظم السياسية الحاكمة، بما يعنيه هذا من التعامل مع السلطات على أنها المعادل الموضوعي الجديد لشيوخ القبائل، الذين يحظون بمكانة مرموقة في الثقافة الاجتماعية التقليدية.

وفي المقابل فإن التحديث السريع، الذي طرأ على الجوانب الاقتصادية، والناجم عن الوفورات المالية التي جلبتها العائدات النفطية، ربط الجيل الجديد في دول الخليج بأنساق أخرى، مادية وروحية، تبعده نسبيا عن التطرف الديني.

على الجانب الثاني، ومع وجود حزمة من القوانين والتشريعات والنظم الصارمة بات من الصعب على الوافدين، في الدول التي تعاني خللا في التركيبة السكانية مثل الإمارات وقطر والكويت، أن ينشروا أفكارهم أو يؤسسوا تنظيماتهم وتجمعاتهم إن كانوا ينتمون في بلادهم الأصلية إلى أي من الجماعات أو التنظيمات الإسلامية المعاصرة.

وحتى عهد قريب كان القضايا الرئيسية على (أجندة) الحركة الإسلامية في منطقة الخليج العربية تدور حول الإصلاح (الأخلاقي)، الذي يعني بالدرجة الأولى لديها محاربة أنماط القيم الاجتماعية والنفسية والثقافية الجديدة ووسائل تجذيرها.

لكن عوامل داخلية وخارجية تضافرت ودفعت جماعات أو جمعيات عدة من هذه الحركة، بمختلف ألوان طيفها، إلى النزول بقوة إلى حلبة السياسة، بعد أن كان هذا يتم على استحياء وبشكل متفرق زمانا ومكانا، فراحت تعبئ قطاعات مجتمعية في بلد مثل الكويت حول مطلب عام مفاده «تطبيق الشريعة الإسلامية» وإرساء «مبدأ الشورى».

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تبعته خطوات أخرى، بلغت ذروتها في ممارسة بعض أفراد «الحركة الإسلامية» في الخليج العنف ضد النظم الحاكمة من جهة، وضد التواجد الأجنبي، خاصة الأميركي، في منطقة الخليج، سواء إن كان عسكريا أم مدنيا، من جهة ثانية.

وجاء حدث 11 سبتمبر ليفجر «الطاقة الغضبية» لدى فصائل عديدة من (إسلاميي الخليج)، ويصم سلوكها العنيف بالإرهاب، ويلفت الانتباه بشدة إليها، بعد أن ظلت متوارية في الظل، إما لنجاح الأنظمة الحاكمة في احتوائها، أو لأنها كانت تلاقي قبولا أميركيا، وقت أن كانت تخدم سياسة الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي المنهار.

وهذا القبول جعلها تعمل تحت لافتة من «المشروعية» المصطنعة، سرعان ما ذابت بعد الخروج الذليل للقوات السوفييتية من أفغانستان عام 1989، واندلاع حرب الخليج الثانية عام 1991، التي جعلت «الأفغان العرب» يديرون أعناقهم إلى منطقة الخليج العربي، حالمين بأن يكرروا فيها تجربتهم في الصومال.

حيث أجبروا القوات الأميركية على الانسحاب من هناك. ومن ثم وقعت بعض هجمات ضد العسكريين الأميركيين المتمركزين في الخليج، كانت أعلاها تلك التي وقعت بمدينة الخبر السعودية في منتصف العقد التاسع من القرن المنصرم، وتفجير البارجة الأميركية (كول) في ميناء عدن في أكتوبر من عام 2001، وازداد الأمر وطأة بعد احتلال العراق.

وهذا التوجه الجديد، الذي يفارق عقودا طويلة من عدم التنازع بين (إسلاميي الخليج) وحكوماته، سار بالأمور إلى شبه تصادم بين الطرفين، ما كان له أن يصل إلى هذه الدرجة من الحدة ويتم بتلك السرعة، لولا حدث الحادي عشر من سبتمبر.

فضرب مبنيي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاجون في واشنطن ترتبت عليها تداعيات عسكرية في أفغانستان وأمنية واقتصادية وسياسية وإعلامية وثقافية في بقية أنحاء العالم، بلغت ذروتها في منطقة الخليج، التي باتت في قلب الحدث، بفعل انتماء أغلب منفذي حدث سبتمبر المروع إلى بعض دول مجلس التعاون الخليجي أو اتخاذهم بعضها قاعدة للتمويل وإجراء الاتصالات. وكان على حكومات هذه الدول أن تتصرف على هذا الأساس في ظل «الحرب على الإرهاب» التي أعلنتها الولايات المتحدة.

من هنا وجدت دول الخليج نفسها، شأنها في ذلك شأن دول عربية وإسلامية أخرى، في مواجهة حزمة من المطالب الأميركية، أولها يأخذ طابعا أمنيا، سواء في جانبه المباشر المتعلق بتعاون عملياتي في مطاردة عناصر تشتبه واشنطن في أنهم ينتمون إلى «تنظيم القاعدة» الذي تبنى الحدث المشار إليه سلفا، أو في جانبه غير المباشر المرتبط بالتعاون في مجال المعلومات الأمنية بين أجهزة الاستخبارات.

وهناك مطلب ثان ذو طابع اقتصادي يتعلق بملاحقة مؤسسات مالية بعينها بتهمة اتصالها بمنظمات «إسلامية» تناوئ السياسة الأميركية، أو المطالبة بتمويل عمليات عسكرية محددة، أو على الأقل ضمان تدفق الإمدادات النفطية.

خاصة إلى الولايات المتحدة، التي هي أكبر مستهلك ومستورد للبترول في العالم. ويوجد أيضا مطلب ثالث شائك ذو صبغة ثقافية ـ دينية ويقع في قلب الهوية العربية ـ الإسلامية، يتمثل في المطالبة بتعديل مناهج التعليم الديني، هو الأمر الذي يثير جدلا في العالم العربي برمته لن تخمد أواره في وقت قريب.

من هذا المنطلق يكون السلوك الخارجي الأميركي، مسؤولا بدرجة كبيرة، عن تحول فصيل من (الحركة الإسلامية) في منطقة الخليج العربي تدريجيا عن الطابع السلمي النسبي الذي ميزها طيلة العقود المنصرمة، بما جعل أفرادا منها ينتظمون في صفوف (القاعدة) أو يتعاطفون معه.

وهذه المسؤولية الأميركية تمتد من المنشأ حتى المنتهى، فابتداء ساهمت الولايات المتحدة بدور فعال في صناعة «الأفغان العرب»، وانتهاء قاد حشدها قوات في الخليج، إلى احتقان قطاعات من الحركة الإسلامية، ليس في الخليج فحسب بل في العالم العربي والإسلامي بأسره. ومنذ البداية وحتى النهاية لم تتخل واشنطن يوما عن تحيزها التقليدي لإسرائيل.

وإذا كان الجسم الرئيسي للحركة الإسلامية في منطقة الخليج العربي لا يزال يتمتع بالطابع السلمي الدعوي، ويكرس جل جهده على الجوانب التراحمية والإصلاح الأخلاقي ومحاولة تقديم «الأسوة الحسنة».

فإن استمرار ضغط الولايات المتحدة على الحكومات الخليجية لتنفيذ المطالب الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، المشار إليها سلفا، بالتوازي مع استمرار الإدارة الأميركية في وضع كافة «التنظيمات والجماعات السياسية ذات الإسناد الإسلامي» في سلة واحدة، سيقود إلى مزيد من عسكرة الحركة الإسلامية في الخليج.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة