الملف اللبناني في طريقه إلى التعريب. المساعي والوساطات على اختلافها، بالمفرّق وبالجملة، انتهت. العربية. منها والدولية.

آخرها المحاولة الفرنسية ـ السورية، التي استمرت لأكثر من شهرين، طويت صفحتها، أمس الأول. كلها تعثرت. والأزمة عادت إلى المربع الأول؛ بكل ما ينطوي عليه ذلك من تعقيد وانسداد، مفتوحين على شتى السيناريوهات.

بعد غد، يلتقي وزراء الخارجية العرب في الجامعة العربية بالقاهرة، للبحث في الموضوع. المهمة ليست سهلة، بعد كل التراكمات والاحباطات التي حصلت. لا بل بعد كل التصعيد والاخفاقات، في العثور على الحدّ الأدنى من التلاقي؛ لانتخاب رئيس جمهورية جديد للبنان.

لكنها مهمة لا تتحمل التعثر. ناهيك بالفشل. لا الوضع اللبناني يقوى على استمرار المراوحة. ولا الدور العربي بإمكانه قبول وقوع ساحة أخرى من ساحاته في لجج المجهول. على أكتافه ما يكفي ويزيد من المتاعب والهموم. خاصة وانه يدرك تماماً بأن التمديد للفراغ في لبنان، محكوم بتفريخ ما يسدّه.

والبدائل التي يتيحها الوضع الراهن، معلومة. أقلها الفوضى وما يتناسل عنها من أخطار بفعل الاحتقانات التي تستولدها. والأهم، أو الأخطر ما قد يفيض منها، عن الماعون اللبناني، ليتدفق إلى المنطقة؛ لو بقيت الأزمة على استعصائها. فهذه غاصت، في الآونة الأخيرة، أكثر فأكثر في التأزيم وتوسيع الفجوة بين الأطراف المعنية في لبنان.

تبدو وكأنها صارت رهينة للمواقف المتضاربة. بل المتناحرة، الشبيهة بمحاولة الجمع بين النار والماء. دخول مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، على خطها؛ يعكس مدى الانغلاق الذي وصله المشهد اللبناني، وبالتالي مدى الانكشافات التي تهدده.

أحد التحديات القائمة يتمثل في كيفية وضع حدّ لمسلسل الشروط والمطالب بصرف النظر عن أحقيتها من عدمه. تركها من دون سقف، حال دون انتخاب رئيس، بالرغم من تلاقي الأطراف ـ علناً على الأقل ـ على المرشح التوافقي المعروف. ربط انتخابه ببنود أخرى، كان وراء نسف جلسات البرلمان المتكررة للتصويت عليه.

وصار من الواضح أنه من غير فصلها عن عملية الانتخاب ـ مع ضرورة أخذها في الاعتبار، عند استكمال التوافق بعد سدّ الشغور في كرسي الرئاسة ـ فان الأزمة باقية في الدوامة القاتلة وأسيرة عدم وجود قدرة على التوفيق بين عناصرها.

والموجع أن الفرقاء اللبنانيين، من خلال التشبث بمواقفهم ـ لأسباب كثيرة متداخلة ومعروفة ـ قد ذهبوا بعيداً في دفع المشكلة نحو الحائط المسدود الذي بلغته. الآن ثمة فرصة جديدة واعدة. تفويتها مكلف.

بل هو يهدد باحتمالات، ليس من مصلحة أحد الوصول إلى أي منها. فالأزمة تقترب من الذروة. والدخول الوزاري العربي قد يكون فرصتها الأخيرة. هي الآن عادت إلى أحضان أصحابها.

جرّبت كل الخيارات الخارجية الأخرى، من غير جدوى. كافة المساعي فشلت؛ ليس فقط في العثور على مخرج لها؛ بل أيضاً في كبح جماح التدهور فيها.

الآن هي عند أدنى ما بلغته من تأزم والتهاب. وبالتالي هي عند نقطة مفصلية، من حيث الحاجة للإنقاذ. بل الحاجة إلى الرافعة العربية بالذات.

التعريب في الماضي كفل تأمين المخرج للبنان من حربه الأهلية اليوم كأن التاريخ يكرر نفسه: لبنان في أزمة تهدد بكوابيس الماضي وأكثر، وهو يعود إلى التعريب مرة أخرى. وإذا كان ذلك قد وضع العرب أمام مسؤولية كبيرة فانه في ذات الوضع يضع اللبنانيين جميعهم أمام التاريخ. البلد ومصيره على المحك، وعليهم العبء الأكبر في عملية النهوض والخروج من هذه الدوامة القاتلة.