لا شيء يكشف عمق الأزمة في لبنان أكثر من أن تبدو المساعي مجرد دوران حول التسوية من أجل قضايا أكبر من الأزمة والتسوية. وهي قضايا تدار بالتنقل بين سياسة الأبواب الدوّارة وسياسة الأبواب المغلقة. الأولى توهمنا ان الأبواب مفتوحة، لكنها تعيد الأمور الى المربع الأول، وتنقلنا من فجر كاذب الى آخر.

والثانية تصدمنا وتضعنا أمام المسؤولية الوطنية، غير أن آخر ما يحرّك القيادات هو تحذير مجلس المطارنة الموارنة من (أن التاريخ لن يرحم وان الأسماء ستبقى مقترنة بالمآسي التي يقاسي منها الشعب). ولا أحد يتوقّع أن يسمع رواية كاملة من أي طرف لما دار ويدور في الكواليس. لا خلال سياسة الأبواب الدوّارة، ولا عبر سياسة الأبواب المغلقة.

وما أكثر الأبواب المغلقة، وسط أزمة مفتوحة. فالخط المفتوح في الاتصال الفرنسي - السوري الذي قيل انه اقترب من باب التسوية صار أزمة اضافية معلنة. وهو الآن مغلق من باب دمشق بعد اغلاقه من باب باريس. وكل عاصمة تحمّل الأخرى مسؤولية التعطيل. باريس تقول ان دمشق (لم تترجم أقوالها الى أفعال) ولم تضغط على حلفائها في المعارضة.

وسوريا تقول ان فرنسا عجزت عن (تحييد) أميركا وإقناع الموالاة بتنفيذ (ورقة التفاهم). لكن الكل يعرف أن اللعبة الحقيقية لها أبعاد أخرى. فالخط الأميركي - السوري مقفل. والخط السوري - السعودي مقفل. وليس لدى فرنسا كل الأوراق والأثمان المطلوبة لتسهيل الأمور.

فلا التفويض الأميركي لها كامل، بحيث يشمل أهم موضوعين يهمان دمشق. ولا كانت الرغبة المقرونة بكل (المغريات) للفصل بين سوريا وإيران سوى (وهم وسراب) كما قال الوزير المعلم، تماماً مثل الرغبة المعاكسة في الفصل بين فرنسا وأميركا. ومن السهل أن تقول دمشق (إن المفاوض المفوض من المعارضة هو العماد ميشال عون)، وان تنقل مصر والسعودية اللعبة الى الجامعة العربية.

لكن من الصعب تجاهل الواقع، وهو الفشل في التوصل الى تسوية عبر اللبننة وحدها والتعريب وحده والتدويل وحده، وحتى عبر الجمع بينها. فالتضامن العربي، كما ترى دمشق، يحتاج الى (استجابة الآخرين) في اشارة الى نفوذ السعودية علي حلفائها مقابل نفوذ سوريا على حلفائها. والكلام على ترك الحرية للبنانيين في الحوار له وجه آخر هو وقوف سوريا وراء حلفائها والإصرار على مطالبهم التي هي بعض مطالبها، ووقوف أميركا وراء حلفائها والإصرار على إمساك الأكثرية بالقرار ورفض اعطاء (الثلث المعطل) للمعارضة.

والرجاء هو تأكيد العماد ميشال سليمان (عدم التهاون مع المغامرين بأمن الوطن) وتجديده (الأمل والثقة بعام مثمر واعد يشكل فرصة لإنقاذ لبنان من أزماته).