ليس هناك شيء اسمه "سلام الشجعان" وإنما سلام الضرورات، أي أن أي خلاف واتفاق لا يقرآن الحاضر والمستقبل ويفيدان من وقائع التاريخ، لا يمكن أن تكون لهما الرؤية البعيدة التي تقيس الحقائق والتوقعات بمنطق عموم الأشياء، لا جزئياتها..

"أولمرت" رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يكن شجاعاً عندما قال "إن العودة الى حدود 1967أمر ممكن" أو أعطى تنازلات ليضع نفسه في سجل الأبطال، وإنما قرأ الأشياء من زواياها المختلفة، فهناك متغير دولي في سباق الوصول الى الكراسي الأولى لقمة الدول الكبرى، مما وضع أمريكا في مواجهة عالم آخر أدى الى أن تفرغ من صداع الشرق الأوسط، بصراعاته المستمرة، وأولى النوافذ التي تؤدي إلى الرؤية الأعم هي حل المشكلة الفلسطينية مع إسرائيل، لأنها ستنهي الخطط المضادة لها، وتقفل بؤر الإرهاب وتغيّر موازين القوى في كل المنطقة وما حولها..

ثم إن إسرائيل التي خاضت الحروب، ونادت بمجتمع النخبة اليهودي الخالص، والتي جلبت الملايين من الشتات، لم تستطع أن توازن المسألة الديموغرافية مع الفلسطينيين، فكيف تتغلب عليها مع محيط عربي يتنامى بشكل هائل، وخلفه عالم إسلامي يجتمعون جميعاً على عدائها، وحتى مسألة أن تكون رأس الحربة في خدمة استراتيجيات أمريكا وأوروبا، سوف تختلف الأمور خلال العقود القادمة عندما تبدأ دول ليست على عداء أو صداقة معها، بأن تنظر لمصالحها مع العرب بدون الارتداد للتاريخ والحق الطبيعي في الأرض والأخذ بالاتجاه البريطاني الذي سلّم مفاتيح فلسطين لها ثم جاءت فرنسا لتدعم قوتها التقليدية والنووية نكاية بالعرب الداعمين لتحرير الجزائر، وتأميم قناة السويس، وتخلفهما أمريكا بدعم غير معهود بين بلدين.

كذلك الأمر برؤية الأبعاد الزمنية والمكانية، فالفلسطينيون حقيقة قائمة، والرفض، والإنكار الدائم لحقوقهم لا يضعانها في ميزان القوة الدائمة، ومثلما وقعت معاهدة كامب ديفيد التي انتهت بالسلام مع مصر، ثم لحقتها الأردن، وحاولت بعض الدول العربية إنشاء مكاتب أو شبه سفارات داخل إسرائيل، فهذا لا يعني أن شروط السلام تكاملت، لأن شعوب هذه الدول لم تغيّر قناعاتها تجاه إسرائيل، ولم تتخلّ عن مبادئها لنفس الغاية..

هنا جاءت حتمية التفاهم على الحل النهائي مع الفلسطينيين، لأن ترك الأمور تتجه إلى التصعيد بغطرسة القوة، سوف تنفد قدراتها، طالما يوجد من يشعل نار المقاومة ويغذيها بأجياله وإمكاناته، ولذلك تأتي القراءة إيجابية لإسرائيل أكثر من العرب، لأنها سوف تضمن أمنها ومستقبلها، وهما دوافع في غاية الحساسية..

خلف كل ذلك ستكون المسافة طويلة لإلغاء عداء نصف قرن من الخلافات والصراعات لكن على إسرائيل أن تدرك أن خلق زوابع مثلما حدث مع مصر عندما أعلنت وزيرة خارجيتها اتهام الأجهزة الأمنية المصرية بالتساهل في تهريب السلاح للفلسطينيين، أو الضغط على أمريكا باشتراط معوناتها بما يلبي المصلحة الإسرائيلية، سوف يجعل الداخل المصري نفسه قوة ضغط مقابلة لوضع إسرائيل في حجمها الطبيعي..

عموماً من الجيد أن يعود العقل لقادة إسرائيل، وفهم طبيعة الخلاف والاتفاق، ولعل ما نأمله أن يصل السلام إلى درجة الاحتكام الى ضرورات المستقبل بدلاً من إضاعة الوقت خلف أحلام توراتية..