يعتبر صدور كتاب جديد للمفكر الأميركي أستاذنا (ألفين توفلر) دائما حدثا ثقافيا وحضاريا متميزا على صعيد العالم بأسره. وقد كان كتابه الأول الشهير (صدمة المستقبل) أهم حدث في دنيا الأفكار عند صدوره عام 1980 وتوالت كتب هذا العلامة رائد علم استشراف المستقبل تحمل بذور التحولات العملاقة التي شهدها عصرنا الحاضر وتحلل مناهج التعاطي مع عالم مختلف ومتقلب.

وصدر عام 1990 كتابه الثاني (مصادر القوة الجديدة للأمم) ليمهد لمصير أفضل للإنسانية من خلال تغيير مناهج التفكير والاقتصاد والتربية بفضل قراءة أعمق للثورة التكنولوجية، وما طلع على العالم من قوى جديدة عوضت القوى القديمة حين انخفض تأثير الزراعة والصناعة وحتى القوة العسكرية، وحين ضمرت فاعلية الدول لتحل محلها فاعلية الشركات العابرة للقارات والمنظمات غير الحكومية وأصبح الإنسان الفرد سيد ثقافته بفضل وسائل الاتصال الحديثة.

وكانت دائما كتب المفكر( توفلر) محطات فكرية شديدة الأهمية وصدر هذا الأسبوع كتابه بعنوان ( الثروة الثورية) ومثل كل مؤلفات ( توفلر) فانه ترجم بسرعة إلى لغات العالم ومنها الفرنسية باستثناء اللغة العربية بطبيعة الأمر كأنما لتأكيد الاستثناء العربي من دورة التاريخ والفكر والقفزة الحضارية التي تنجزها الأمم. فنحن مع الأسف نتوغل أكثر فأكثر في عالم جديد تماما ولكن بأدواتنا العتيقة العاجزة عن فهمه وفي غفلة تاريخية نتضرع إلى الله وحده أن يوقظنا منها كما أيقظ أهل الكهف!

وليس من اليسير تقديم كل ما جاء في هذا الكتاب الهام من رؤى وتحليلات ولكننا اخترنا ما يهم القراء العرب للحالة العربية الراهنة أمام ثورة التكنولوجيا وتغيير المعادلات الدولية.

وبالطبع فان المفكر الأميركي تأمل في الحالة العربية من منظور المصلحة الغربية والعالمية وتحديدا الأميركية لأنه مثلما قال فان العرب يتميزون بتواجد أمتهم على رقعة من الأرض خطيرة التقلبات السياسية وفي نفس الوقت حمالة لثروة نفطية وغازية لا يزال العالم يحتاج لها في صناعته.

وإذا أوجزنا قراءة الكاتب للواقع العربي فاننا نؤكد معه على أن العرب لم يفلحوا في ركوب الموجة الثالثة أي عصر المعرفة التكنولوجية بل ظلوا يراوحون مكانهم في قلب الموجة الأولى أي عصر الزراعة والموجة الثانية أي عصر الصناعة، في حين انطلقت أمم أخرى تؤكد حضورها القوي باقتحام دنيا المعلومة والسرعة والدقة.

وهنا يعتمد المفكر على نتائج التقرير الذي أعدته مؤسسات الأمم المتحدة عن التنمية في العالم العربي عام 2003 وحظي باهتمام المراقبين نظرا لموضوعيته وشموله وجرأة تحليلاته. ويقول الكاتب بأن العرب مطالبون بالإسراع للخروج من أزمة التخلف التكنولوجي وفتح أبواب عصر المعرفة لأن الثروات زائلة والمخاطر متربصة.

ويعلن الكاتب بأن المبادئ الخمسة الضرورية لانجاز التحول العربي المنشود هي تحرير المبادرات الشعبية والمشاركة الواسعة في الحياة العامة وإعادة النظر في مناهج التربية والتعليم بإعطاء الأولوية للكيف على حساب الكم ثم تنصيب العلوم والمهارات التقنية على رأس التعليم والمجتمع وإتاحة نقد الخيارات بذكاء وعدم تحنيط الأفكار المسبقة أي في الحقيقة تفجير الطاقات الخلاقة لتجاوز مرحلة (التكنوفوبيا) أي الخوف من التكنولوجيا.

ويعدد الكاتب ويحلل كما هائلا من الفرص الضائعة والتي لم يغتنمها العرب لتحقيق القفزة النوعية المطلوبة لاقتحام عصر المعرفة فضلوا الطريق إلى الحضارة المعرفية وحضارة الذكاء وازدادت الهوة الرقمية اتساعا بينهم وبين من كانوا متخلفين وفقراء مقارنة بالعرب مثل الهنود والصينيين والأميركيين الجنوبيين. ويقول المفكر بأن العوائق الموضوعية هي هيكلية وسياسية وثقافية ولكنها تتلخص في تعطيل وظيفة العقل والاستعاضة عنه بالموروث الحضاري مع الحنين للماضي.

وهنا لا بد أن نشير إلى أن المفكر الأميركي يتناسى المعضلة الأساسية التي يتحمل العرب تبعاتها منذ ستين عاما وهي معضلة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وما انجر عن هذه المظلمة التاريخية من اصطفاف الغرب عموما وراء الظلم والقهر المسلطين على شعب عربي أعزل، وهنا فالعرب هم ضحايا تجاهل غربي وعمى دولي لا يزالان يعطلان انطلاقة العرب الى حين، مع أن ذلك العامل الدولي الجائر لا يعفينا من أخطائنا في التقدير ومن عدم اجتماعنا على كلمة سواء.

هل من ناشر عربي يسرع بتعريب هذا الكتاب القيم وهل من جامعة عربية تبادر بالدعوة للتأمل في هذه القراءة الأميركية للفرص العربية الضائعة؟