شهدت موريتانيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة أحداثا وتطورات سياسية واجتماعية عديدة، قلبت أو شوهت العديد من الموازين والقيم الأخلاقية والاجتماعية التي عرفها واشتهر بها المجتمع الموريتاني الشنقيطي على مدى تاريخه المعروف. ورغم ذلك ظلت البلاد خارج حلقة العنف الهمجي المنظم الذي اكتوى بنيرانه العديد من مناطق العالم الأخرى، في الإطار العربي وخارج هذا الإطار.
وكان الكثير من الموريتانيين يعتقدون، بقدر كبير من الثقة، أن بلدهم سيظل بمنأى عن هذا الجنون المنفلت من كل وازع ديني أو أخلاقي، والمنافي لقيم الإسلام الحنيف وأخلاقيات المجتمع الموريتاني المحافظ تقليديا وتاريخيا على التمسك بهذه القيم والالتزام بها، في حياته اليومية كما في علاقاته الاجتماعية.
وحتى حين تعرضت نقطة عسكرية صغيرة لهجوم دنيء عام 2005، قتل فيه عدد من الجنود وأصيب آخرون، لم يغير ذلك شيئا في قناعات الموريتانيين، وعزوا الأمر إلى قلة عدد الجنود الموجودين هناك (نحو 25) وضعف عدتهم وعتادهم، إضافة إلى بعدهم عن مركز اتخاذ القرار وعن مواقع تواجد الجيش الموريتاني، في تلك المنطقة شبه الخالية من السكان والواقعة في أعماق الصحراء على الحدود الشمالية الشرقية مع الجزائر.
كما أن المنفذين لم يكن بينهم موريتانيون على الأرجح، ولم تقدم التحقيقات المطولة التي أجريت مع بعض من اعتقلوا على خلفية الحادثة أي دليل على عكس ذلك.
لكن الجريمة الشنيعة والبشعة التي راح ضحيتها أربعة سياح فرنسيين وأصيب رفيقهم الخامس، في الرابع والعشرين من ديسمبر الفائت، والتي ارتكبت في وضح النهار وسط الأراضي الموريتانية وفي منطقة مأهولة بالسكان، مثلت صدمة عنيفة لكل الموريتانيين، وعلى كافة المستويات، وهزت قناعاتهم السابقة بالحصانة ضد تيارات العنف الأعمى وهمجيات القرن الجديد.
وكانت الصدمة أكبر عندما بدأت كل الدلائل المتوفرة ونتائج التحقيقات التي تم الإعلان عنها، تؤكد يوما بعد يوم أن مرتكبي هذا الاعتداء الآثم والجريمة الشنعاء هم موريتانيون ينتمون إلى هذا المجتمع المتمسك بإسلامه والمعتز بدينه، وأن الجريمة لم تكن من النوع الجنائي المعتاد بدافع السرقة والتلصص، وإنما تمت عن سابق إصرار وترصد.
وجاءت حادثة القتل المشينة لثلاثة جنود موريتانيين في اليوم التالي، إثر هجوم تبناه «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» ضد حامية موريتانية في أقصى الشمال، أيضا، لتزيد غضب الموريتانيين وحنقهم على هذه الجرائم التي استهدفتهم في أبنائهم بعدما استهدفت ضيوفهم المحتمين بحماهم.
فكيف حدث هذا التحول المخيف في موازين القيم؟ ومن أين تسربت هذه الفتنة العمياء لتخترق النسيج الاجتماعي وتتوغل في أعماقه؟
لا شك أن التحول الهائل في وسائل الاتصال والمواصلات الذي جعل العالم كله قرية صغيرة، وجعل كل سكانها «جيرانا»، وغصبا عنهم أحيانا، هو أحد العوامل المهمة في خلخلة القيم المتوارثة وخلط المفاهيم، مما أنتج فهما جديدا، بل سوء فهم، لدى الكثيرين ممن لا يريدون أو لا يستطيعون فهم النصوص الدينية على حقيقتها وتدبر معانيها وفق منهجها السليم ومقاصدها الصحيحة.
غير أن جزءا كبيرا، إن لم يكن الأكبر، من المسؤولية عن اختلال التركيبة الاجتماعية والمنظومة القيمية، يعود إلى التردي العميق في الأوضاع السياسية والاقتصادية الذي استمر طويلا في البلاد، وما زالت آثاره قائمة وتحتاج إلى جهد كبير لمعالجتها وتصحيحها.
لقد أجمع علماء موريتانيا وفقهاؤها على استنكار مثل هذه الجرائم ووصفها بأنها «تشكل فسادا في الأرض وجهلا بحقيقة الشريعة الإسلامية»، كما أجمعت القوى السياسية والمجتمعية الأخرى على إدانتها باعتبارها «عملا إجراميا غريبا على القيم الموريتانية».
وعلى أهمية هذا الإجماع ومركزيته في المواجهة الواجبة والحتمية لهذه الهجمة المنحرفة، إلا أن دور الدولة وأجهزتها الحكومية يمثل دعامة أساسية في هذه المعركة المفروضة، من خلال الإسراع في وتيرة تنفيذ السياسات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية التي وعدت بها الحكومة.
وتحويل هذا الإجماع في المواقف إلى عمل فعلي على أرض الواقع، وهو ما يتطلب بالضرورة تكاتف كل القوى الوطنية، من علماء وأحزاب سياسية ومجتمع مدني، وتوحيد جهودها في مسار واحد، لصيانة الجبهة الداخلية وتفعيل المشاركة المجتمعية في العمل الوطني، وتعزيزها بإنجازات ملموسة تعيد الثقة للمواطنين العاديين وتشعرهم بدورهم وأهميتهم في حماية الوطن ومكتسباته.
فذلك وحده هو السبيل لمواجهة التحديات المتزايدة، والوقوف في وجه المحاولات الضالة والمضلة لجر البلاد إلى هاوية الفوضى والإجرام المنظم.. لا سمح الله.