«كان ذكيا في قراراته، جادا في كل مواقفه. ولم يكن يناور أو يسعى إلى كسب عواطف الشعب. ربما ارتكب بعض الأخطاء في التسيير، لكنه لم يكن هو المسئول الوحيد عنها، وبعض الرجال لم يكونوا في مستوى الثقة التي وضعها فيهم. كان همه الوحيد هو تحرير البلاد من الاستعمار وبناء جزائر تنعم بالعدالة الاجتماعية والرفاهية.

كان يحلم بمجتمع متكامل ومتحرر من التبعية والجهل. كان متفانياً في خدمة شعبه إلى درجة أنه نسي نفسه وعائلته وحقه في هذه الحياة». هذا ما قاله الرئيس الجزائري السابق، الشاذلي بن جديد في رفيق السلاح، المرحوم هواري بومدين.

الرئيس هواري بومدين الذي حكم الجزائر من يونيو 1965م إلى ديسمبر 1978م يعتبر من القلائل الذين قدموا الكثير للجزائر وللشعب الجزائري ومن الزعماء الذين تركوا بصماتهم في التاريخ سواء على مستوى دولهم أو قاراتهم أو على مستوى العالم العربي ودول العالم الثالث أو حركة عدم الانحياز أو الحركة الأفروآسيوية. بومدين من الرؤساء أو الشخصيات السياسية التي هّمشها التاريخ محليا ودوليا.

الرئيس بومدين احترمه العالم وهمشته وسائل إعلام بلاده والمسئولون الجزائريون أنفسهم. فبعد وفاته وحتى اللحظة أصبح الرئيس بومدين تقريباً من المحرمات والممنوعات في وسائل الإعلام الجزائرية وفي الملتقيات والندوات والمناسبات، وكأنه لم يكن وهذه الظاهرة ليست غريبة على الجزائر حيث إن زعماء مثل «فرحات عباس»و «مصالي الحاج» و«عبان رمضان» لقوا نفس الجزاء قبل بومدين.

ولم يصبح بومدين موضوع دراسات وأبحاث وندوات إلا ابتداء من سنة 1990 بفضل الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية الذي لم يدخر جهدا في إنصاف الشخص حيث أصبح ينظم مؤتمر المرحوم هواري بومدين سنويا تقديرا لإنجازاته وأعماله وفكره.

بومدين الرئيس الذي مات ولم يترك الملايين أو المليارات من الدولارات في حساباته، مات من أجل الفلاح الجزائري، مات من أجل الذين حرمهم الاستعمار الفرنسي من العيش الشريف ومن التعليم ومن الحياة الكريمة.

بومدين ذلك الرئيس الذي لم ينس كل من وقف إلى جانب الجزائر في محنتها ضد الاستعمار الفرنسي فوقف بجانب القضايا العربية، ووقف بجانب الحركات التحررية في إفريقيا وآسيا، بومدين الذي ناضل من أجل حق الشعوب في تقرير مصيرها وفي التحكم في خيراتها وثرواتها، للتخلص من الفقر والجهل والحرمان انتهج الرئيس الراحل سياسة شنها على ثلاث جبهات: الزراعة، الصناعة والثقافة سمى هذه الجبهات بالثورات الثلاث: فعلى المستوى الزراعي أُممت الأراضي الفلاحية ووُزعت من جديد على الفلاحين في إطار سياسة التسيير الذاتي وهذا لمحاربة الإقطاعية ونظام «الخماسة».

وعلى المستوى الاقتصادي انتهج الرئيس بومدين مبدأ «الصناعات المصنّعة» والتركيز على الصناعات الثقيلة التي تغذي وتنمي الصناعات الخفيفة والصناعات التحويلية وباقي الصناعات الأخرى. أما فيما يتعلق بالجانب الثقافي فقد كان يؤمن الرئيس بومدين بمبدأ ديمقراطية التعليم وتوفيره مجانا لجميع أبناء الشعب، والتعريب والهوية العربية الإسلامية للدولة الجزائرية.

كان بومدين يؤمن بأن اقتصاد البلد لا يكتب له النجاح إذا لم يكن متحررا من الهيمنة الأجنبية وأن يكون هناك تكامل بين قطاعاته المختلفة،.و كان بومدين يؤمن كذلك بأن البلد التي لا تستطيع تأمين غذاءها لا تعتبر مستقلة. ففي عهد بومدين شهدت الجزائر شبكة من المصانع والمعامل انتشرت من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب احتراما لمبدأ التوازن الجهوي والتكامل الاقتصادي.

كما كان يعني التكامل الاقتصادي لبومدين الاستقلال الاقتصادي، والاستقلال السياسي بدون استقلال اقتصادي لا يعني شيء. وأهم إنجاز تاريخي قام به بومدين هو تأميم المحروقات وتحدي الفرنسيين الذين كانوا يسيطرون على استغلال آبار البترول والغاز في الصحراء الجزائرية الكبرى، فالفرنسيون لم يصدقوا أعينهم عندما أستغني عنهم بومدين وبمساعدة بعض الدول الصديقة واصلت الجزائر استغلالها لمحروقاتها بكامل سيادتها.

وكان هذا الإنجاز درسا للدول العظمى وللشركات المتعددة الجنسيات التي كانت تنهب خيرات دول العالم الثالث بأبخس الأثمان الأمر الذي دفع الرئيس بومدين وعلى منبر الأمم المتحدة بنيويورك أن يطالب بنظام اقتصادي عالمي جديد وأن يكشف للعالم وبالأرقام أن النظام النقدي العالمي والعلاقات الاقتصادية الدولية تعاني كلها من عدم التوازن والتكافؤ.

كان بومدين يؤمن بضرورة التوازن الجهوي وعدم التركيز على منطقة دون أخرى، وخاصة عدم التركيز على المراكز الحضرية أو الشمال وتجاهل المناطق الداخلية والجنوبية والنائية والصحراوية خاصة وأن الجزائر هي ثاني دولة من حيث المساحة في إفريقيا.

تعتبر الخدمة العسكرية من أهم الآليات التي اعتمدها الراحل بومدين لتكوين جيلا جديدا من الشباب لا تفرق بينه لا الجهات ولا الطبقات الاجتماعية، ففي الخدمة العسكرية يلتقي ابن الفلاح بابن الغني وابن الشمال بابن الجنوب و«الشاوي» بـ «الثارقي» و«القبائلي» بـ «الميزابي»الخ.

ومفهوم الخدمة العسكرية عند بومدين لم يكن يتحدد في الثكنة العسكرية والجيش النظامي وإنما كان الرئيس الراحل يرى في الخدمة العسكرية بناء الوطن كالمساهمة في بناء الطريق الصحراوي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ليكون بوابة الجزائر للقارة الإفريقية، وكذلك بناء السد الأخضر وهو عبارة عن شريط أخضر يغطي الجزائر من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق وعرضه 20 كيلومترا من الأشجار والأحراش لمكافحة زحف الصحراء نحو الشمال، أي تصحر الجزائر.

كان المرحوم بومدين يرى في سياسة التعريب استكمالا السيادة الجزائرية واسترجاع هويتها وشخصيتها وعروبتها. فبعد استقلالها وجدت الجزائر مشكلات عويصة ومعقدة تراكمت على مدى أكثر من قرن من الزمن، وهكذا وجدت الجزائر نسبة كبيرة من نخبتها المثقفة والقائدة والفاعلة لا تعرف شيئاً عن اللغة العربية وعن أصولها وتاريخها.

ووجدت القلة القليلة من النخبة المثقفة باللغة العربية نفسها محاصرة من قبل الفرانكوفونيين والفرانكوفوليين هكذا ظهرت في الجزائر ازدواجية اللغة بمفهوم سلبي، حيث تم تسييسها وأصبحت الأمور تدار وتنفذ انطلاقا من مفهوم المفرنس والمعرب.

كانت اللغة العربية بالنسبة للرئيس الراحل هي الجزائري نفسه وبدونها فإنه يفقد هويته وبذلك فقد نفسه. هكذا إذن، كانت للرجل رؤية واستراتيجية وكان يحلم دائما بمناصرة الفقراء والمساكين والمستضعفين سواء على مستوى بلده الجزائر، أو على المستوى القاري أو العربي أو العالمي.

ذلك الرجل الذي وقف على منبر الأمم المتحدة سنة 1974م وطالب بنظام اقتصادي عالمي جديد يضع حدا للاستغلال والبطش والابتزاز الذي تمارسه الدول العظمى على حساب الدول المستضعفة والفقيرة والمغلوبة على أمرها. لا ننسى كذلك أن الجزائر في عهد المرحوم بومدين لعبت دورا بارزا في حل العديد من الأزمات الشائكة والعويصة وكانت الوسيط في حل العديد من المنازعات والصراعات الإقليمية والدولية.

كيف ينسى التاريخ هواري بومدين وهو الذي تحدى فرنسا وأمّم المحروقات في 24 فبراير 1971 وهو الذي وضع مشروع بناء الألف قرية للفلاحين الجزائريين الذين عانوا من ويل الاستعمار الفرنسي الغاشم وجُردوا من أراضيهم، كيف ننسى بومدين وهو الذي قال «أؤمن بالمساواة في تعليم أبنائنا، إنه لا يعقل أن ابن الفقير يرعى قطيع الغنم بينما ابن الغني يذهب إلى الجامعة»، وهو الذي قال في لاهور سنة 1974 في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي «إننا نرفض أن ندخل الجنة وبطوننا فارغة».

التاريخ، مع الأسف الشديد، لا يرحم صانعيه، والانتهازيون يعرفون دائما كيف ينسبون أعمال الآخرين إليهم وكيف يزيفون ويشوهون التاريخ ويكتبونه لصالحهم.

كلية الاتصال ــ جامعة الشارقة