لا يتوقف الحديث عن الخصوصية الثقافية للمجتمعات في هذا الزمن عند حدّ، فأمام الهيمنة الغربية والاستحواذ الذي تمارسه على الآخر على جميع المستويات يقف المرء متأملاً حال المجتمعات التي يقع عليها فعل الاستحواذ ومحاولة التنميط، والأمر بعد ذلك لا يحتاج إلى كبير عناء ليكتشف الاختلافات الشاسعة بين هذه المجتمعات في ردود أفعالها تجاه ما يصدره الغرب للعالم من صور نمطية لثقافته عبر قنوات مختلفة.
تأتي التقنية ووسائل الإعلام في مقدمتها، ولا نستطيع أن نستثني منها اليوم ما يتعلق بسياسات التعليم وتطوير الأداء في المؤسسات على اختلافها، ففي حين يعكف البعض على محاولة التماسك والتركيز على الأولويات التي تحقق له الاستقلالية والقدرة على تقديم بدائل تجعل مقاومته للتنميط الغربي مقاومة فاعلة تحافظ على كيانه وخصوصيته.
وتضعه في موضع المنافس المرتقب في السيطرة على اقتصاد السوق، كما تفعل الصين والهند وكوريا وغيرها، يقف البعض الآخر موقف العاجز عن الإتيان بأي فعل ينبئ عن وعي بما يحدث، ويشير إلى رؤية تستشرف المستقبل من خلال وقائع الحاضر وتجارب الماضي.
ولا يعني حديثنا هذا عن محاولة تنميط العالم الذي جاء نتيجة طبيعية لتجليات العولمة بوصفها نظاماً اقتصادياً يقوم على سيطرة جزء من العالم على مصادر المعرفة والنفوذ، وما يتبع هذه السيطرة من تحكم في حركة الاقتصاد والسياسة والثقافة من الطرف المسيطِر إلى الطرف المسيطَر عليه ـ رفضاً للآخر ولا انكفاء على الذات.
ولا توجهاً إلى الانغلاق على النفس، ودفن الرؤوس في التراب، أو التمسك بردود الأفعال الهوجاء التي لا تنبئ عن تعقل أو مرونة في التفكير ونضج في الرؤية، ولا تؤدي إلى النجاح في التعامل مع الآخر، وهو ما نود تحقيقه بحيث نصل إلى مستوى المثاقفة التي لا تجور على الذات ولا تذوب في الآخر.
وفي هذا السياق يدور حديث طويل عن تقبل الآخر، وتقبل الاختلاف معه، بحيث لا يطغى التعصب والتشرذم والانغلاق على النفس فيعيق التقدم، ويكون سبباً من أسباب بذر بذور التخلف وضيق الأفق ورفض أي صورة من صور الاختلاف عند الآخرين، مما قد ينبت صوراً أشد خطراً من صور التطرف المرفوض أو السلبية المعطِّلة.
وهذا أمر نفهمه جداً، ونعي أهميته، وندرك دوره الفاعل في إنضاج رؤيتنا، وفتح آفاق تفكيرنا بحيث يغدو قادراً على استيعاب صور التنوع عند الآخرين واحترامها، مستعداً للتعامل معها بهدوء وتعقل وثقة، خاصة في سياق التعامل اليومي والفردي وعلى صعيد العلاقات المهنية والشخصية.
إلا أنّ هذا التوجّه يجب ألا يمنعنا من الوعي بما يحدث في السياق الأكبر، وما تمارسه بعض الدول في الشطر الشمالي من الكرة الأرضية من ممارسات تقصي الآخرين وتمهد الطريق نحو اجتياح ثقافي يتجه نحو تنميط للعالم بحيث يغدو التنوّع تطابقاً، والاختلاف تشابهاً، والمتعدد واحداً.
وهذا التوجّه يعترف به الغرب نفسه، ويكتب في شأنه كثيرون من المثقفين والسياسيين والتربويين، معبرين عن مواقف متباينة بين التبني الكامل والرفض التام. فإصرار الغرب على التمسك بالسيطرة على العالم ما زال حاضراً في سياساته ومواقفه وخطاباته، وكثير من القراءات المتأنية المدققة تستشف هذا التوجه وتدلل عليه بكل أنواع الأدلة.
يقول د. موريل أستاذ الحقوق في جامعة باريس «إذا أرخنا للمعارك فقد أخفق الاستعمار، يكفي أن نؤرخ للعقليات لنتبين أننا إزاء أعظم نجاح في كل العصور.
إنّ أروع ما حققه الاستعمار هو مهزلة تصفية الاستعمار.. لقد انتقل البيض إلى الكواليس، لكنهم لا يزالون مخرجي العرض المسرحي».
وهذا يشير إشارة واضحة إلى أنّ قوى التأثير انتقلت من المادي الملموس إلى الرمزي غير المدرك، فقد اخترع الغرب بتفوقه العلمي الهائل آلات بسط نفوذه بحيث لا يستطيع العالم أن يقف في وجهها أو أن يقاومها إذا كان يرغب في الاستفادة منها، فكأنّ الاستفادة من ثمار التقدم العلمي الكبير الذي حققه الغرب مشروط بغرس الشجرة كاملة في الأرض المستفيدة، إذ لا تكفي الثمار وحدها... فالسيطرة الغربية والتنميط الذي يمارسه على العالم يقوم ـ كما يقول سيرج لاتوش ـ على قوى «رمزية: سيطرتها المعنوية أكثر خبثاً، لكن أيضاً أقل إثارة للاعتراض.
وهذه العناصر الجديدة للسيطرة هي العلم والتقنية والاقتصاد» وقيم التقدم كما يصوغها الغرب وكما يراها هو في صورة نمطية تقترن بالرفاهية والترف ونمط الاستهلاك المادي. ولذلك اقترن فعل السيطرة والاستحواذ كما هو اليوم بفيض من المعلومات ينتقل في حركة دائبة من دول المركز إلى دول الأطراف ـ مع التحفظ على هذه التسمية ـ وهو فيض محايد في ظاهره، ولكنه بما يستبطنه من نفوذ يقوم بإعادة تشكيل رغبات وحاجات جماعات المستهلكين، وأشكال سلوكهم، ومناهج تعليمهم، ونمط حياتهم اليومية بما تشتمل عليه من أفكار وتصورات وأفعال.
وإذا كان عالم الاقتصاد والعلم والتقنية قابلاً للحركة الحرة بين دول العالم كلها فإنّ الثقافة بوصفها نسقاً متسقاً من التصورات والرموز تشترك فيه جماعة من البشر تقيم صلات ذات خصوصية بينها وبين العالم من حولها تبقى عصيّة على التنميط، ولكن المسألة على درجة من التعقيد والتداخل بحيث يغدو الفصل بين ما هو ثقافي وما هو اقتصادي أو علمي تقني غير ممكن.
إذ إن منتجات التقنية وأدوات التفوق المعرفي والعلمي وآليات التعامل الاقتصادي الذي يصدره الغرب للعالم لا تنفصل عن الثقافة التي صدّرتها وصنعتها، وفي ذلك تقول دكتورة ماري تريز في كتابها «الثقافة القومية بين العالمية والعولمة»: «تعد العولمة ظاهرة اجتماعية جديدة لا تقع في نطاق المهتمين بالسياسة والاقتصاد فحسب، بل المهتمين بالدراسات الإنسانية والثقافية وما تشمله من الفنون المكتوبة والمرئية، والمعلوماتية، والوسائط المتعددة، وبعض أوجه الرقمنة».
ولذلك لا يكون من الغريب أن يخبرني بعضهم أنّ حفيدته التي تدرس في روضة في الإمارات تحفظ الأناشيد نفسها التي تحفظها حفيدته الأخرى التي تدرس في روضة في الولايات المتحدة الأميركية، فهذا تعبير حقيقي بسيط عن نتائج الفعل العولمي المتجه بقوة نحو تنميط العالم رغم التنوع والغنى الذي يزخر به والاختلافات الجوهرية التي يكتنفها.
على أنّ الأمر كله لا يخلو من مفارقات كثيرة تبدو للمتأمل جديرة بالنظر وإعادة التفكير، فبعيداً عن ردود الأفعال التي يمارسها البعض تجاه حركة الإقصاء الغربي لكل ما هو مختلف، والتي اقتصرت على حركات دفاع تتسم بالجهل ومحدودية الفكر.
وتتخذ من الانغلاق على الذات أو التطرف في الحكم على الآخر والتمسك بالعرقية والمذهبية الضيقة ديدناً لها، فإنّ هناك محاولات كثيرة أخرى تنبع من الغرب نفسه أو من العالم على اختلافه وتنوّعه تحاول أن تقرأ آثار الفعل العولمي قراءة متمعنة بحيث تسهم في خلق ما يمكن أن يسمى بالعولمة المضادة، أي عدم الاكتفاء بفعل المستقبِل السلبي الذي لا يزال واقعاً تحت تأثير الانبهار والشعور بالعجز.
وإنما تجاوز ذلك إلى منح الذات مساحة من التنفس في فضاء الخصوصية، واكتشاف التميّز فيما تمتلكه من إرث وثقافة جديرين بأن يكون لهما مكان تحت الشمس.. إنّ الفعل الإنساني الذي ينبع من تقدير خصوصيته ويحترمها ويراها منافسة قادرة على الصمود، بل يراها مصدراً من مصادر الإلهام والتفوق والتميز لا يتجه في تعامله مع الآخر المتفوق اتجاه الرافض الأعمى، ولا اتجاه المذعن المستميت.
ولعله من المفارقات الطريفة أن نعرف أنّ الغرب ينظر إلى نفسه في ظل تقلباته الكثيرة وعودته إلى السيطرة على العالم بشكل جديد في كل مرة كطائر العنقاء الذي يبعث من رماده أكثر شباباً وأشد جمالاً، وهي الصورة نفسها التي بقيت رمزاً في تراثنا العربي على انبعاث مجدنا المأمول مرة أخرى أكثر شباباً وأشد جمالاً كطائر العنقاء الذي لا يموت أبداً. ترى كم طائر عنقاء سيبعث في حركة التاريخ المستمرة الموّارة؟ وفي أي أرض سيبعث من جديد؟
جامعة الإمارات