الهجوم المحموم للاستعمار الجديد لفرض الهيمنة على العالم، وخاصة في شرقنا العربي الإسلامي، الذي يعبر عن نفسه بأشكال تقسيمية سياسية وعرقية وطائفية ومذهبية متعددة، بوسائل ثقافية وإعلامية اشتراها أو اخترقها سرا أو علانية.

واقتصادية لتحويل هذه المنطقة إلى سوق لمنتجاته الصناعية، وسياسية بضغوط علنية وباتفاقيات بشروط الإذعان، وعسكرية بالغزو والاحتلال بشكل سافر أو بمعاهدات أمنية أو بقواعد دائمة، هذا الهجوم الذي يحاول النفاذ إلى السيطرة السياسية والاقتصادية عبر البوابة الثقافية والإعلامية في هذه المنطقة التي كانت مهدا للحضارات الإنسانية الكبرى ونبعا للرسالات السماوية العظمى، والغنية بتجاربها الكفاحية ضد الغزوات الاستعمارية بأشكالها القديمة والجديدة على مر التاريخ مازال يواجه مهمة صعبة يعرض الهجمة الجديدة بأشكالها الجديدة للفشل.

إذ يجد في مواجهة نفاذه سعيا لنفوذه وعيا شعبيا كاشفا، بخلفية أكبر من كل دهاة السياسة وكل دهاقنة الإعلام، وبمواريث ثقافية لحضارات عريقة وبقيم روحية لرسالات سماوية عميقة الجذور يصعب اقتلاعها، بما تشكل حوائط صد أمام هجمات الغزو الثقافي أو الوصاية السياسية.

مما يجعل الحوار هو الحل للتناقض الطبيعي بين الثقافات الغربية العلمانية والثقافات القومية للشعوب العربية والإسلامية، وبالتالي بين السياسات الأميركية الغربية والسياسات العربية والإسلامية، الحوار من موقع الندية لا التبعية لتجنب المواجهة المنطقية بين الفرض والرفض.

فالمرفوض شعبيا هو محاولات الفرض، سواء فرض الثقافة أو السياسة أو الإرادة أو التبعية، ومن هنا تستيقظ لدى شعوبنا بأشكال مختلفة صور عديدة للرفض والمقاومة، خصوصا حين لا تتورع بعض القوى الاستعمارية الكبرى عن القيام بالمغامرات الفاشلة لإعادة الاحتلال من جديد بوسائل الغزو العسكري السافر لفرض الأنماط الثقافية الغربية والغريبة تطبيقا لأفكار «صراع الحضارات» التي روج لها «هانتنجتون».

ولأن هذه المغامرات العسكرية تدرك فاعلية سلاح الثقافة والإعلام، فكثيرا ما تتخفى وراء شعارت ثقافية، ولافتات إنسانية تستهدف بها تذويب مناعة الشعوب ضد التبعية في محاولة لإشاعة «القابلية للاستعمار» خصوصا لدى الأجيال الجديدة لتغريبها عن قيمها الحضارية والدينية، ولإشاعة الاستلاب الثقافي، انبهارا بالقيم والأنماط الغربية الحديثة بالصور الزائفة والبراقة التي تروجها عبر وسائل الاتصال الجديدة.

وحتى تحت لافتات الحوار بين الحضارات أو الحوار بين الثقافات، تحاول تلك القوى الاستعمارية الجديدة بأحلام الهيمنة الجديدة في ظل العولمة، فرض نماذجها وأنماطها وقيمها الثقافية، التي هي نتاج لسياق حضاري مغاير خصوصا لشعوب مازالت قيمها الثقافية النابعة من معتقداتها الدينية البناءة ومن ميراثها الحضاري المبهر عصية على الذوبان في الآخر.

والمفروض في شعوبنا العربية ذات الميراث الحضاري العريق، والمبشرة بالرسالات الدينية السماوية العظيمة للعالم أن تشكل النموذج الجديد للشخصية الحضارية ذات الخصوصية الثقافية التي لا يتوقع أن تفلح معها كل فيروسات «الإيدز الثقافي» وكل ميكروبات «الانهزام الحضاري» لفرض الاستسلام السياسي.

وذلك يدعونا للعمل الثقافي والإعلامي لاستعادة ذاتنا وإعادة قراءة تاريخنا لنتعرف على أنفسنا بأكثر مما يعرف عنا أعداؤنا، وصنع وحدتنا الاقتصادية والسياسية لصنع قوتنا وتصليب إرادتنا في مواجهة محاولات التذويب والصهر تحت شعارات خادعة وبوسائل خادمة وبأفكار مضللة.

ترتطم محاولات الاستعمار الجديد والهيمنة وغارات الغزو الثقافي من قوى أوروبية ليست لها عمق الجذور، وأميركية ليست لها أية جذور، كما سبق وارتطمت من قبل بمقاومة شعبية عربية وإسلامية، بمقاومة شعبية ثقافية وحضارية.

مما دفع تلك القوى للعداء لكل ما هو ديني إسلامي وقومي عربي باعتباره ذخيرة المقاومة للتبعية ودرع المناعة على الخضوع، ونبع النضال من أجل التحرر، من كل أشكال الاستعمار الثقافي والسياسي والاقتصادي، بأشكاله القديمة والجديدة.

والأمر في النهاية هو شكل من أشكال المواجهة بين قوى الاستعمار القديم وقوى الهيمنة الجديدة بالثقافي وصولا إلى السياسي، وبالسياسي وصولا إلى الاقتصادي، وبالاقتصادي للسيطرة على ثروات شعوب العالم لتحقيق أهداف الرأسمالية الدولية بالانتصار النهائي على الاشتراكية، وتنصيب وحيد القرن الأميركي إمبراطورا للعالم،وفقا لنظرية نهاية التاريخ التي روج لها «فوكوياما».

mamdoh77t@hotmail.com