يصح للقارئين في عمق الأزمة السياسية اللبنانية المستعصية على كل حل، أن يصفوا مواقف الأكثرية والمعارضة النيابيتين بـ «المضحك المبكي»، لاسيما إذا أخذوا بتعليق النائب بطرس حرب الأخير على موقف المعارضة الذي قال فيه إنه «إذا كان المعارضون يريدون فعلاً الخلاص من رئيس الحكومة فؤاد السنيورة وحكومته فالسبيل سهل ويتمثل بتسهيل عملية انتخاب رئيس جديد للجمهورية بدل تعقيدها كما هو حاصل اليوم».
وإذا كانت خيوط الخارج التي تدير اللعبة الداخلية قد أصبحت واضحة وضوح الشمس باعتراف اللاعبين أنفسهم فـ «المضحك المبكي» في الأمر، لا بل من سخرية القدر، أن هذا الاعتراف أصبح من تحصيل الحاصل بعد أن كشفت مفارقات الزمن وغرائبه تبادل أدوار ومواقف بين الأكثرية والمعارضة لا هدف لها سوى الهروب من القرارات الحاسمة لإطالة عمر الأزمة الداخلية.
وبعد أن اتضح أن الخلاف السياسي بين الطرفين يتعدى موضوع تعديل الدستور والاتفاق على شكل الحكومة الموعودة بعد انتخاب الرئيس الجديد، ليشتبك بجذوره مع الأزمات الخارجية، أما المواقف المتبادلة بين الأكثرية والمعارضة على قاعدة «شر البلية ما يضحك» فيمكن حصرها وفق الآتي:
أولاً ـ مع بداية الأزمة كانت قوى الأكثرية النيابية المعروفة باسم «قوى 14 آذار» ترفض وبشكل قاطع وصول شخصية عسكرية إلى رئاسة الجمهورية تحت عنوان معركة شرسة دامت 8 سنوات مع الرئيس الآتي من قيادة الجيش إميل لحود، وقد تولى النائب وليد جنبلاط إبلاغ هذا الرفض إلى قائد الجيش الحالي العماد ميشال سليمان عندما استضافه على مأدبة غداء في منزله في بيروت قبل أقل من شهرين.
في هذا الوقت، كانت قوى المعارضة تنظر إلى النائب الآتي من قيادة الجيش أيضاً العماد ميشال عون كمرشح أساسي، على الرغم من أن العمود الفقري للمعارضة المتمثل ب«حزب الله» الذي كان يتبنى في الكواليس هذا الترشيح لم يجاهر به صراحة، كما أن المعارضة لم تكن تمانع ضمنياً بترشح العماد سليمان أيضا للرئاسة، على خلفية علاقتها الإيجابية به ومواقفه الموصوفة بالوطنية انطلاقاً من نظرته إلى سلاح المقاومة والعلاقة مع سوريا.
وفيما الأكثرية تتبنى بشكل كامل اليوم ترشيح العماد سليمان وتسعى إلى وصوله إلى سدة الرئاسة في حال حصول العملية الانتخابية، فإن المعارضة التي تعلن عدم ممانعتها لترشحه تتخذ في كل مناسبة مواقف معطلة لعملية ترشيح سليمان وانتخابه رئيساً.
ثانياً ـ ما ينطبق على موضوع انتخاب شخصية عسكرية لرئاسة الجمهورية يسحب ذاته على عملية تعديل الدستور، ففيما لم تبد قوى المعارضة في السابق موقفاً معارضاً لتعديل الدستور، لاسيما أن غالبية أقطابها هم من حلفاء سوريا.
وقد صوتوا من دون إكراه إلى جانب التمديد للرئيس السابق إميل لحود عملاً بالإيحاء السوري وقتذاك، فإن قوى 14 آذار كانت تقف وقتها موقفاً معارضاً لتعديل الدستور في معركة شرسة لمنع التمديد للحود، أما اليوم فإن ما نراه هو تحول جذري في موقف الأكثرية يطالب بالإسراع في تعديل الدستور لانتخاب العماد سليمان.
قابله في البداية موقف متردد ومرتبك للمعارضة التي بدت عاجزة عن اتخاذ موقف جدي ورسمي من عملية تعديل الدستور، ثم ما لبث هذا الموقف أن تحول إلى عرقلة واضحة لعملية التعديل بحجة أفتت بها أوساط رئيس المجلس النيابي نبيه بري تقول بتمرير التعديل من دون موافقة الحكومة الأمر الذي تدرك المعارضة بديهيا أنه سيكون مرفوضاً من الأكثرية لأنه يستدرج الحكومة إلى اعتراف بعدم شرعيتها ويلغي كل قراراتها السابقة.
ثالثاً ـ في موضوع تشكيل الحكومة كانت قوى 14 آذار تنطلق في طروحاتها وحوارها من الاعتراف بضمانات للمعارضة التي كانت تطالب بما اصطلح على تسميته من قبل الأكثرية بـ «الثلث المعطل» أو «الثلث الضامن» (وفق المعارضة).
في تشكيلة وزارية مؤلفة من 30 وزيراً (19 للأكثرية و11 للمعارضة)، مقابل ضمان المعارضة الاعتراف بالمحكمة الدولية لمحاكمة المتهمين باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، كما كانت الأكثرية تعتبر أن أي اتفاق بين الطرفين يجب أن يتم حول «سلة متكاملة» أي حول كل التفاصيل ابتداء من رئاسة الحكومة مرورا بعدد الوزراء وتوزعهم وتوزيع الحقائب ووصولا إلى الاعتراف بالمحكمة الدولية.
فيما كانت المعارضة تطالب بـ «الثلث الضامن» في تشكيلة وزارية مؤلفة من 13 وزيراً للمعارضة و17 وزيراً للأكثرية وتأجيل البحث بسائر التفاصيل إلى ما بعد انتخاب الرئيس، أما اليوم وفيما تطالب المعارضة بـ «سلة متكاملة» واضحة التفاصيل، ملحقة بشروط إضافية تتعلق باسم القائد الجديد للجيش اللبناني.
وبالاتفاق على التعيينات الأمنية والإدارية في المراكز الحساسة في الدولة قبل الشروع بانتخاب العماد سليمان رئيسا، فإن الأكثرية ترفض رفضا قاطعا إعطاء أية ضمانات بخصوص التشكيلة الحكومية قبل تعديل الدستور وانتخاب الرئيس، وسط رفض من قبل سليمان أيضا الأخذ بأية شروط من قبل أي طرف تأتي به رئيسا مكبلا بالتزامات وتعهدات، مؤكدا أن أية تعيينات أو ترقيات في الجيش اللبناني يجب أن تحظى بتوقيع وموافقة رئيس الجمهورية الذي لم ينتخب بعد.
ومع كل تأجيل جديد لجلسة الانتخاب تستحكم الأزمة الداخلية وتشتد خيوط إدارتها الخارجية، لتبقى نقطة اتفاق وحيدة قائمة بين الأطراف السياسيين في لبنان تتمثل باستعداد هذه الأطراف للقبول بقانون جديد للانتخابات النيابية يقر بالقضاء كدائرة انتخابية لأن من شأن هذه الصيغة أن تلبي المصالح النيابية للأكثرية والمعارضة على حد سواء.
رحم الله عميد حزب الكتلة الوطنية الراحل ريمون إده الذي كان يردد من منفاه الباريسي عندما كانت الأزمات تعصف بلبنان «إن مشكلة لبنان، لا بل مشاكله السياسية، هي في ضعف ذاكرة الشعب اللبناني».
كاتب لبناني