لقد كان الإعصار الأسود أقوى منها حقاً، فهوت بكل كبرياء من الأعلى وهي شامخة بين أبناء شعبها وعلى ذرات ترابها في راولبندي. لقد ذهبت بنازير ضحية ثمينة من اجل الباكستان أولا، وقربانا من اجل المبادئ الديمقراطية ثانيا.

ومثلا رائعا من اجل الزعامة الحقيقية ثالثا، رحلت مع الخالدين وهي تحيي شعبها الذي أحبها من أعماقه، رحلت وهي تبتسم للعالم كله بسمة الوداع، رحلت بعز وشموخ وبإرادة قلما يمتلكها غيرها من الزعماء، لقد عاشت بنازير وماتت زعيمة امتلكت خصال الزعامة الحقيقية.

ربما يختلف الناس سياسيا معها قليلا أو كثيرا، ولكن لا اعتقد ان مصرعها غدرا لم يتألم له الجميع باستثناء القتلة الذين وجدوا فيها ما يهددهم، ويحدد مصيرهم، إذ كان أمامها زمن يمكنها ان تقدم فيه الكثير من الإبداع والعطاء لباكستان والعالم الإسلامي.

ولكن لا راد لقضاء الله، لقد تألمت جدا لرحيل بنازير المحزن بسبب معرفتي بها زميلة دراسة ببريطانيا مذ افترقنا قبل ثلاثين سنة بالضبط عام 1977، وبسبب قناعتي بزعامتها التاريخية وقوة إرادتها السياسية وعشقها لوطنها وحبها لشعبها، وأنها وريثة ذلك الأب الذي أراد ان يصنع من باكستان شيئا متقدّما في هذا الوجود.

أروع ما سيسجله التاريخ عنها أنها ذهبت تخطو نحو حتفها بنفسها بكل شجاعة وجرأة نادرتين وهي تعلم كم الوضع متوتر وملتهب في بلادها، في حين هرب غيرها من الزعماء في الجحور أو في مناطق ملونة، ربما صارعت بنازير كل قوى التحدي ولكنها عجزت ان تمضي في طريق حتى النهاية وكانت نهاية الطريق قصيرة جدا ويا للأسف الشديد.

ربما كانت بنازير وستبقى مثلا تاريخيا لكل الأجيال القادمة وهو يحكي ان التوحش ومسلسل التصفيات والتفجيرات والقتل الغادر لا يعرف أبداً لا المبادئ الوطنية ولا الدينية ولا الأخلاقية ولا الإنسانية، لو كانوا رجالا حقيقيين لما قتلوا امرأة بهذا الأسلوب المخزي ولا بأي أسلوب ابتدعوه لغة لهم بعيدا عن المنطق وعن الأخلاق، ولا يمكن لنا جميعا ان نسكت إلى ما لا نهاية على هذا المسلسل الغادر في عالمنا الإسلامي، وهو ينهش في لحمنا كالوحش الكاسر !

كتبت في جريدة (البيان) الزاهرة يوم 24 أكتوبر الماضي مقالاً عنوانه: «بنازير امرأة تقف بوجه الاعصار» تخوفت جدا من ان تتقدم بخطاها السريعة نحو الباكستان، وهي بوابة مرشّحة للجحيم، ويبدو ان الموت قد غدا نبراسا عند بنازير مذ تخطف والدها الزعيم الباكستاني الشهير ذو الفقار علي بوتو بإعدامه ظلما وعدوانا، لها ولأفراد عائلته من بعده للنضال طويلا في قيادة حزب الشعب ضد الدكتاتورية وضد العسكر وضد الطغيان.

لقد سجلت بنازير موقفا صلبا سوف لن ينساه التاريخ ابدا عندما مضت نحو وطنها وهي لا تريد التفكير بالمخاطر ـ كما قالت ـ، ولكنها كانت تتطلع لبناء مستقبل جديد بالتفكير فقط بالفرصة المتاحة أمام شعبها الذي يبكيها اليوم بعد ان استقبلها استقبال الأبطال ووجدها ثابتة صامدة إزاء أول هجمة إرهابية طالت الجموع من حولها، وقد قبلت التحدي ثانية بالإصرار على البقاء، فكان التحدي الثالث أقوى منها فقتلها.

لم تعرف بنازير الهزيمة طريقا إلى قلبها في أي يوم من الأيام، كانت زعيمة حقيقية للباكستان وقد تصرّفت كزعيمة حقيقية حتى وهي تحت الإقامة الجبرية أو منفية بعيدا وراء البحور ووراء الحدود، لم تفكر بالانهزام والهزيمة.

وقد ذهبت إلى الباكستان وهي تدرك ان البلاد قد أصبحت كرة ملتهبة تغلي كالمرجل، لم تهن ولم تحزن ولم تتردد ولم ترسم أمامها أي طريق للرجوع أو النكوص أو العودة، بل رسمت طريقا واحدا قادها حتما إلى السماء.

ان بنازير الزعيمة التي رحلت هي غير بنازير الزميلة التي عرفتها منذ ثلاثين سنة، كم كانت خجولة وترتاب من المجهول؟ كم كانت اضعف من الأخريات؟ كم كانت تعشق العزلة والبقاء تحت ظلال الأشجار الباسقة؟ كم كانت تطيل التأمل في الأشياء؟

كم كانت تخشى من الامتحانات؟ كم كانت تهوى الخيال وقراءة إشعار محمد إقبال؟ كم كانت تحب الأزهار وخرير المياه؟ كم كانت تعشق العصافير وهي تغني في الصباح الباكر؟

وها نحن نراها تتلقى الرصاص وهي شامخة باسقة بعد ان علمها الزمن كل التحديات، وها نحن وجدناها تعيد خطواتها من جديد لرسم مشروع جديد لباكستان، وقد سبقها الموت ليسد الطريق عليها وعلى الباكستان أمام التغيير المنشود.

وها نحن نراها وقد خبرت معنى الزعامة وها نحن وجدنا انها تمتلك ناصية كاريزما من نوع خاص، وها نحن نكتشفها وكأننا نتعرف عليها للمرة الأولى، وها هي قد صنعت مجدها بدمائها، وها نحن نميزّها مثلا حيا ورائعا للمرأة التي اختارت الزعامة مهنة وحرفة لها في هذا العالم، وها نحن ندرك مكانها بعد الرحيل، كما ستدرك الباكستان قيمة بنازير في المستقبل، كنت اخشى عليها من الموت، وكانت ستأتي بأعلى الأصوات كي تبدأ الباكستان مرحلة جديدة، ولكن؟

جاء اغتيال بنازير بوتو ليفتح الباب أمام الباكستان على نار سعير قادم، خصوصا إذا ما علمنا ان أعداء الحياة والإنسان قد كثروا اليوم في عالمنا، وما دامت الولايات المتحدة الأميركية جالسة في قلب الميدان، فإن الأمور ستنتقل من سيئ إلى أسوأ، خصوصا وان برويز مشّرف يجلس عند خط النار. فمن يضمن الاستقرار في الباكستان إذا كانت التحديات أقوى بكثير من التمنيات؟ هذا ما ستعلن عنه الأيام القادمة.

مؤرخ عراقي

moc.limajlarayyas.www