منذ إنشائها في عام 1994 وفقاً لمواصفات «أوسلو» لم يكن هناك شك في أن السلطة الفلسطينية وفي سياق تطورها انتقلت إلى مرحلة القمع البوليسي المباشر، وكانت النتيجة اكتظاظ سجونها بمئات المعتقلين السياسيين.

الآن تحقق السلطة الفلسطينية أحدث نقلاتها النوعية الخطيرة بإعلان سياسة تفكيك منظمات المقاومة الوطنية المسلحة، ومصادرة سلاحها. ووجه الخطورة هو أنه إذا أخذنا في الاعتبار أن كوادر فصائل المقاومة سوف تقاتل دون هوادة من يجرؤ على محاولة تجريدها من السلاح فإن من المحتم أن تندلع حرب أهلية.

جاء الإعلان عن هذه السياسة على لسان وزير داخلية السلطة عبدالرزاق اليحيى. وليس من قبيل المصادفة أن هذا الإعلان صدر بعد يوم واحد من مصرع جنديين إسرائيليين على أيدي المقاومة في مدينة الخليل بالضفة الغربية.

فالوزير أراد أن يطمئن إسرائيل بأن السلطة الفلسطينية ماضية في تنفيذ تعهدها بحماية الأمن الإسرائيلي إلى درجة شن حرب على فصائل المقاومة ـ بما في ذلك فصيل «شهداء الأقصى» التابع لحركة فتح التي من المفترض أن رئيس السلطة الفلسطينية يتولى زعامتها.

وفي هذا السياق يتناغم وزير الداخلية مع رئيس حكومته سلام فياض. فقد تعهد فياض في مؤتمر صحافي بوفاء السلطة الفلسطينية بكافة التزاماتها الأمنية تجاه إسرائيل وواجباتها المترتبة عليها بعد مقتل الجنديين الإسرائيليين.

ولتبرير هذا التعهد قال رئيس الوزراء الفلسطيني ان العملية التي أسفرت عن قتل الجنديين وقعت في أراضٍ فلسطينية.. وبالتالي فان السلطة «ستقوم بكافة واجباتها المترتبة على ذلك»، إنه تعهد غريب.

وهذا أقل ما يقال عنه. فالأرض الفلسطينية ـ أي الضفة الغربية ـ ليست في الظرف الحالي أرضاً فلسطينية لأنها واقعة تحت احتلال أجنبي تحض كافة القوانين السماوية والوضعية ـ بما في ذلك القانون الدولي الساري ـ على مقاومته بكافة الوسائل بما في ذلك قوة السلاح، لكن وزير الداخلية يقول بما هو أغرب من قول رئيس حكومته.

فمن أجل تبريره لسياسة تصفية فصائل المقاومة الوطنية المسلحة ضد الاحتلال يعلن الوزير أن قواته الأمنية تقوم بجمع السلاح «غير الشرعي» وكأنه يعتبر السلاح الإسرائيلي على الأرض المحتلة شرعياً.

بالطبع لن تستطيع قوات السلطة الفلسطينية أن تطال الفصائل المسلحة في قطاع غزة وفي مقدمتها «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة حماس إذ إن النفوذ الأمني للسلطة وقواتها ينحصر جغرافياً في الضفة. ثم إنه ليس من المنظور أن تستسلم الفصائل المسلحة في أنحاء الضفة وتتخلى عن سلاحها طوعاً.

ومن هنا ينشأ خوف من أن الأرض الفلسطينية المحتلة في الضفة أصبحت موعودة بحرب أهلية.

وإذا كان هذا بالضبط ما تريده إسرائيل فانه من غير الممكن إعفاء السلطة الفلسطينية من مسؤولية جسيمه.

هكذا تبدو الصورة في إطارها الأعرض، فبينما تتوالى الهجمات الإسرائيلية اليومية بما تشمل من توغلات برية وقصف جوي ومداهمات على قطاع غزة تتولى قوات السلطة الفلسطينية أمر الضفة الغربية. وذلك كله على خلفية جولات تفاوضية عقيمة بين السلطة وإسرائيل يراد لها أن تكون تغطية لعمليات التوسع الاستيطاني اليهودي في أراضي القدس والضفة بوجه عام.

بعد 14 عاما هذا هو حصاد أوسلو.