دخول السوق الخليجية المشتركة حيز التنفيذ مع العام الجديد، محطة فارقة وإنجاز تاريخي؛ في مسيرة مجلس التعاون ودوله وطموحات شعوبه. نقلة نوعية كبيرة، يدخل معها الوضع الخليجي تجربة رائدة وواعدة، طال انتظارها. ويزيد من أهمية وفوائد هذا الانفتاح غير المسبوق في المنطقة، انه يأتي في لحظة تشهد فيها مجتمعات التعاون طفرة تنموية شاملة، بمقاييس دولية؛ في التميز والتفوق.

كما أنه يدخل إلى التطبيق في وقت يمر فيه الوضع الإقليمي في حالة من الخلخلة الأمنية والسياسية. وحتى الوضع الدولي هو الآخر، يدخل العام الجديد في ظل أجواء من القلق، الاقتصادي بشكل خاص.

السوق المشتركة الجديدة، وسط هذه الظروف؛ توفر فضلاً عن مردوداتها الاقتصادية والاجتماعية، المزيد من التحصين لدول التعاون وأسواقها وأوضاعها؛ من مختلف جوانبها.

سقوط الحواجز أمام حركة وأسواق العمل والخدمات والأموال والعقارات والشركات؛ يفتح الأبواب على مصراعيها لتشكيل اقتصاد خليجي وازن، له موقعه البارز على الخارطة الدولية، فاقتصاديات المجلس أخذت بهذه الخطوة التكاملية، شحنة مهمة من التزخيم والتمكين؛ اللازمين لتعزيز القدرات التنافسية؛ في عالم تسوده التكتلات الاقتصادية العملاقة ويتضاءل فيه دور وقدرة الأطراف الاقتصادية الصغيرة.

ليس في مجالات الاستيراد والتصدير فقط؛ بل أيضاً في مجال التفاوض مع المؤسسات والدوائر الاقتصادية الدولية وبالتالي الدخول بفعالية إلى أسواقها، المالية والاستثمارية والتجارية، من الموقع المؤثر والمشارك. غير أن المردودات الإيجابية المباشرة والقريبة، للسوق المشتركة تبقى برسم المواطن الخليجي ودول التعاون.

فهي بتوفيرها للأول الفرص الاقتصادية المتكافئة من دون تمييز أو تفريق؛ تكون قد وضعت اللبنة الأولى في بناء التأسيس للمواطنة الخليجية. كما تكون قد أرست الأساس المتين لتحقيق التكامل الاقتصادي الخليجي المنشود.

فالمسارات العشرة، التي حددتها الاتفاقية الاقتصادية، والتي تنشد بلوغ العديد من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، على مستوى الأفراد والشركات والمؤسسات؛ تغطي أهم وغالبية أوجه النشاط المتراوح بين حرية التنقل والعمل وبين ممارسة المهن المختلفة، مروراً بتلقي الخدمات وممارسة التجارة والتملك والاستثمار.

الفرص الجديدة، في كافة هذه الأنشطة والمجالات، كفيلة بتوسيع القاعدة الاقتصادية واستطراداً قدراتها؛ بمقادير كبيرة وآفاق رحبة؛ لم يعرفها الخليج من قبل ولا المنطقة، ومن هنا فإن هذا التطور النوعي، يحمل معه من التحديات بقدر ما يفتحه من آفاق واعدة؛ لمجلس التعاون ومجتمعاته وبالتحديد لمسيرته، فهذه الأخيرة، تقف الآن أمام باكورة انجازاتها الكبيرة.

والمسؤولية ليست فقط في إنجاحها، بل أيضاً في صيانتها وتطويرها وبما يؤدي إلى الارتقاء بها، على طريق التكامل الاقتصادي المرغوب، وربما كان في نجاح وتطوير هذه القفزة قدوة تشجع على الدفع باتجاه العمل على إقامة سوق عربية مشتركة.

أو على الأقل الانطلاق بخطوات، في هذا الطريق في عالم العولمة الذي يحكمه الاقتصاد ـ المرشح ليكون له الدور النافذ أكثر فأكثر ـ بدأت تتقلص المساحات للأوزان الاقتصادية الخفيفة.

الأمر الذي يحرمها من الإمساك بزمام مقدراتها فضلاً عن مستلزمات التقدم والتنمية لمجتمعاتها، السوق الخليجية المشتركة انطلاقة خيرة في هذا الصدد، فهي بقدر ما توفر لمجلس التعاون ومجتمعاته من المزايا والفوائد الاقتصادية والاجتماعية؛ بقدر ما توفر المناعة والاقتدار لأمنه وتقدمه.