بدت لي في الأسبوع الفائت كم أن الحياة تحمل بداخلها من المفارقات العجيبة، لدرجة تدعو للسخرية أكثر من دعوتها للتراجيديا أحياناً، ففي الحالة الثانية نتألم بعمق وفي الحالة الأولى نسخر من الألم لكونه الوجه الآخر من الحياة. كنت اقلب ذهني حول ماذا اكتب وأنا أودع نهاية العام وانتظر عاما جديدا مفعما بالأمل، حيث نبعث بالتهاني والتمنيات السعيدة للجميع.
وكأننا نبحث عن الأمنيات السعيدة بالفعل داخل حزمة من الحزن والألم. وكلما حاولنا أن نطرد التشاؤم من أعيننا وذاكرتنا وروحنا بحثا عن التفاؤل المنشود نجد أنفسنا محاصرين بسيف المعز في الجهات العربية والإسلامية الخمس، فهل بالفعل كانت نهاية حصاد العام المنصرم كلها سعيدة؟
حيث كانت «بنازير بوتو» تودع عالمنا مضمخة بحمام الدم في ساحات راولبندي بعد أن أنهت خطابها التاريخي وهي تدعو الجماهير إلى إسقاط حكومة مشرف عبر صناديق الانتخابات، ملوحة للذين يحملون لها أجندة الكراهية والحقد بأنهم سيكونون أول المحاسبين في حكومتها المنتصرة.
كنت اقلب بالفعل ذهني هل اكتب موضوعا عن كارلا بروني الحبيبة الجديدة للرئيس الفرنسي ساركوزي وهي تتجول معه في «وادي الملكات» في الأقصر بحثا عن استحمامات تحت الشمس sun bath بين أعمدة وأحجار التاريخ، لكي تستلقي بعدها تحت مياه وأمواج البحر الأحمر في شرم الشيخ،
حيث الشمس هناك بلا حمامات دم، بينما تغرق باكستان من أقصاها إلى أقصاها في حالة عنف وفوضى عارمة. بين مشهدين لجثة وجسد امرأة، واحدة مسجاة بورودها في التابوت، حاملة معها قدرها المكتوب حزنا، وواحدة تستلقي تحت الشمس والماء والاسترخاء، وبقيثارة رومانسية ترافقها.
امرأتان في قمة الأحداث الإعلامية للعام ونهايته، ولكنهما كانتا تقطعان التاريخ مشيا دون وداع معروف. الأولى خرجت من تاريخ القمة بالموت والأخرى تدخله مجددا بقيثارتها لعل طريق الاليزيه يبقى مفتوحا ولو لدورة رئاسية واحدة، يستمتع فيها الرئيس بجولات باليخت وترتيب أوراق ما وراء الخروج من قصر الرئاسة.
لم تكن المرأة الباكستانية الشجاعة تخشى الموت وهي التي رأت الموت والسجن أمام عينيها لمرات، فكان كابوس الاغتيال متربصا لها في شهر أكتوبر ولكنها نجت بأعجوبة، فرفضت النصائح والتراجع والتزاحم الجماهيري، فلا يوجد إنسان سياسي يتمتع بالكاريزما ويدخل الانتخابات والتحدي وهو خلف الستار والحديد المطوق بالخوف.
كانت «بنازير » تنتظر لحظة مواجهة الموت لترقد الصبية إلى جوار والدها ذو الفقار علي بوتو لكي تبرهن للعالم أن الابنة واصلت وصية والدها في حبه ونضاله من اجل فقراء وكادحي باكستان، حاملة راية الحرية والديمقراطية دون تراجع. تنام الصبية إلى جوار والدها في مقاطعة لاركانا بمسقط رأسها في قرية غازي خدا بخش بعد أن أنجزت من عمرها صفحات جديرة بالاحترام
كامرأة برهنت إن الشعوب الإسلامية والدول النامية قادرة على إنجاب نساء متحررات في عقلهن وعلمهن ورغبتهن في تنمية الإنسان والمجتمع في بلادهن وتكون «بنازير» بوتو امرأة حقا «لا نظير لها» في زمن تبوأت فيه روح التخلف والاستبداد والفساد والعصبية، فكان طريقها محفوفا بالمخاطر.
تنام بنازير الآن دون خوف ووجل وقلق تاركة المسرح السياسي خلفها مضطربا ومنهارا ومفككا بين أطياف المعارضة من جهة وبين أولئك الذين كان يفرحهم غيابها، حيث انهار المسرح الباكستاني لبعض الأيام، ولا احد بإمكانه أن يدرك كيف تنتهي مسيرة الغضب في الشارع الباكستاني؟ وكيف تتحول التحالفات بين الأحزاب في مواجهة حكومة مشرف من جهة وفي مواجهة قوى الظلام والفساد في قمة السلطة وخارجها ؟.
يذكرنا اغتيال بنازير بوتو بتراث شبه القارة الهندية المكتوب بخطوط واسطر من نار، ففي التاريخ المعاصر القريب للقارة سقطت انديرا غاندي الأم فكان على الابن راجيف مواصلة وحمل شعلة والدته من اجل الحزب والأفكار والطريق الذي نشدته، فكان على راجيف أن يدفع ثمن مواقفه غيلة وينام الولد إلى جوار أمه في احتفائية هندية عظيمة، لينضما الابن والأم إلى مسيرة المهاتما غاندي ونهرو،
وكان على المهاتما أن يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو خارج من لقاء جماهيري حاشد، وان يسقط برصاص الكراهية الهندوسية عندما دعا غاندي للإخاء والتسامح بين الهندوس والمسلمين. بتلك الروح والبعد الإنساني والوطني سقط ذو الفقار علي بوتو واعدم بمشنقة الكراهية بيد العسكر وقواه الخفية، فما كان من ابنته طالبة أوكسفورد وهارفرد إلا أن تترك خلفها الهدوء وتتحرك بين ألغام الشارع الباكستاني المعقد بالمخاطر وكوابيس الموت المحقق.
من يعرف طبيعة المعادلة الباكستانية في قمة السلطة وقوى المعارضة وانفلات الشارع المدجج بالعصابات والعصبية، يدرك أن من يدخله لا يمكن أن يخرج منه سالما في كل مرة، غير إن المرأة الشجاعة لم تكن إلا ابنة ذلك المناخ وتربته القاسية، حتى وان بدت لنا بنعومة وجمال استثنائي وذكاء سياسي خارق.
القسوة تخترق التاريخ والجمال ليس معيار الليونة والقوة، تكون بنازير بوتو نموذجا جديدا ومختلفا عن بقية النساء، لهذا تصبح فعلا امرأة لا نظير لها، فتلك حقيقة اللغة ووصية الأب والأم باختيار اسم لا نظير له في باكستان بعرضها وطولها ( بنازير في الاردو تعني لا نظير لها مثلما نقول في اللغة نفسها بي شرف او بي حياء ).
فهل يستقر الوضع بعد هذا الاغتيال مع صناديق مرتجفة بالخوف والشك في الثامن من يناير كموعد للانتخابات أم تكون الحالة فرصة للطرفين بوجود أعذار لتأجيل اللعبة. فقد سبق وان تلاعبت القوى المتصارعة بأجندات مختلفة مثلما أخذت تتلاعب بالإشاعات، وهي تروج لمصادر الاغتيال بأشكال مختلفة،
وكأن القتلة يضحكون من العالم في عصر الثورة المعلوماتية وسرعة تدفق الإعلام الأحمق والمجنون والمشوش بالتضليل والكذب، فتارة يتم تسريب مكالمات هاتفية مصطنعة بين الأطراف الخفية، لكي يلتقطها الأمن الباكستاني الرسمي، فيفرح باصطياده مكالمات هاتفية رصدها لتكون انجازا امنيا عظيما وتوزع التهم للقاعدة كمشجب دائم، ثم تختفي الوجوه الفعلية والأيادي السوداء خلف اللعبة.
وفي الوقت الذي توجه المعارضة أصابعها لحكومة مشرف بتهمة التواطؤ والتورط، نرى أن الأجهزة الأمنية الرسمية تحاول تحويل اتهام الجماعات الإرهابية كالقاعدة وغيرها، متناسيا الجميع ان بوتو قبل وفاتها بأسابيع، اتهمت عناصر منشقة من جهاز الاستخبارات الباكستاني بأنها وراء محاولة اغتيالها في أكتوبر الماضي.
السؤال الأكثر أهمية ليس ضياع دم بنازير بين ضجيج الأسواق السياسية والبورصة، وإنما السؤال الأكثر إلحاحا من سيملأ الفراغ السياسي وهوته الواسعة ؟، ليس في حزبها وحسب بل وفي قوى المعارضة المؤثرة في مواجهة حكومة مشرف والتيارات المتشددة؟.
يبدو ان الشارع السياسي الباكستاني لن يستقر في سنوات قليلة، ولكنه في الوقت ذاته لن يخرج من عنق الأزمة بسلام وسيكون آخرون مرشحين للمقابر والموت، ومن كلا الجانبين، المعارضة والسلطة، المدنيين والعسكريين وقوى الأمن، الفرحين بنفاد جلدهم من محاكمات عادلة كانت بنازير تتوعدهم بها حال وصولها للحكم.
كاتب بحريني