أثار الغياب المأساوي المفاجئ للزعيمة السياسية الباكستانية الراحلة « بنازير بوتو» العديد من التساؤلات التي طرحتها ردود الفعل السياسية والإعلامية على تلك الجريمة الإرهابية، لكن ما يطرح نفسه بقوة هي ثلاثة أسئلة رئيسية..
الأول: ما هي الأسباب التي تقف وراء هذه النهاية الدراماتيكية لمحاولات العودة إلى الديمقراطية باعتبارها المدخل إلى استقرار الحياة السياسية ومنع الأوضاع الداخلية الباكستانية من الانزلاق إلى مزيد من العنف والفوضى الأمنية؟
والثاني: من الخاسر ومن المستفيد من تغييب بوتو عن المشهد السياسي الباكستاني بما يحدث فراغاً سياسياً أو يخل بالمعادلات السياسية الداخلية لصالح أهداف متباينة خارجية، ويفتح الباب لتبادل الاتهامات، ويشعل الفوضى الأمنية وفقاً للأجندات الداخلية أو الإقليمية أو الدولية؟
والثالث: ماذا بعد ما وقع الذي لا يجدي معه كلام أو دموع، وما المخرج لباكستان من هذا النفق الطويل الذي يحتاج من كل القوى الباكستانية أقصى درجات اليقظة لما يراد لباكستان التي تمثل الدولة النووية الإسلامية الوحيدة بما يعنيه ذلك ممن لا يريد لها وحدة ولا قوة ولا استقراراً؟
ولاشك أن غياب الديمقراطية وتغييب المرجعية الإسلامية وغياب العدالة الاجتماعية بسبب توالي الانقلابات العسكرية بمحركات خارجية أفرز تيارات سياسية ثلاثة عبرت عنها أحزاب رئيسية ثلاثة تنافست مع الجيش على السلطة تيار ليبرالي وتيار إسلامي وتيار اشتراكي، بينما تقدمت المشهد السياسي الباكستاني الأخير قوى ثلاث،الجيش الذي لا ديمقراطية ولا اشتراكية ولا إسلامية مع حكمه الانقلابي الديكتاتوري،
وحزب الرابطة الإسلامية بقيادة نواز شريف الذي وصل إلى الحكم مرتين بالانتخابات الديمقراطية وانقلب عليه الجيش بقيادة برويز مشرف، وحزب الشعب الباكستاني بقيادة «بنازير بوتو» التي حكمت البلاد مرتين وعادت من منفاها بصفقة لاقتسام السلطة مع العسكر رتبتها الولايات المتحدة وبريطانيا لضمان إبعاد الإسلاميين عن الفوز في الانتخابات لصالح حلفائهما العسكريين والعلمانيين فيما يسمى الحرب على الإرهاب.. ثم عادت للتحالف مع شريف ضد مشرف لإعادة الحكم الديمقراطي.
لكن السبب المباشر فيما حدث على ما يبدو كان غياب العدالة السياسية والمعايير المزدوجة وسياسة الإقصاء والتهميش التي حكمت التعاملات على حساب التوازنات بين القوى السياسية، وغياب الثقة وزيادة الاحتقان الداخلي بسبب الديمقراطية الشكلية والانتقائية،
والإجراءات السلطوية والعسكرية التي بلغت ذروتها بفرض حالة الطوارئ سواء ضد الإسلاميين المتشددين في وزيرستان أو في المسجد الأحمر أو ضد أجهزة القضاء والإعلام وأخيراً ضد بنازير وحزبها، مما زاد من مشاعر الغضب والاحتقانات ومن المرارات والثأرات لدى كل التيارات وخلط الأوراق.
لكن مما لاشك فيه أن الخسارة الكبرى بالدرجة الأولى هي لاستقرار باكستان ثم لمراهنات واشنطن على فوز حزب بنازير العلماني لإقصاء حزب شريف الإسلامي، وبالدرجة الثانية على نظام الحكم الباكستاني الذي تحالف مع واشنطن في الحرب على حلفاء الأمس من الإسلاميين الباكستانيين
والأفغان تحت عنوان الحرب على الإرهاب، خصوصاً بعدما دخل النظام في خصومة سياسية مع كل التيارات وبدا في النهاية هو المسؤول عما جرى في باكستان من أزمات أدخلها إلى هذا النفق المظلم وما جرى لبنازير بوتو وغيرها من اغتيالات.
لكن يبقى السؤال.. وماذا بعد، وما السبيل للخروج من هذا النفق المظلم؟ وهنا يستوقفني ما ذهبت إليه صحيفة نيويورك تايمز من أن اختفاء بوتو ترك إدارة الرئيس الأميركي بدون استراتيجية واضحة لتخليص باكستان من أزمته.
وأن المراهنة بأمن أميركا على جنرال يفتقد المسؤولية ثبت فشلها كما أن المراهنة على تحالف بين هذا الرجل وبوتو لم يعد ممكناً، مما لا يدع أمام الولايات المتحدة سوى خيار واحد يتمثل في العمل على تعزيز المؤسسات الديمقراطية الباكستانية المترنحة، والدعوة إلى قواعد جديدة تضمن إجراء «انتخابات ديمقراطية نزيهة».
وإن كان هذا يتطلب تأخير الانتخابات لإعطاء حزب بوتو الفرصة في اختيار زعيم جديد وإجراء حملة انتخابية «مختزلة» ويتطلب من واشنطن الضغط على مشرف لقبول ترشح زعيم المعارضة الآخر نواز شريف، وعلى إعادة قضاة المحكمة العليا الحياديين، وتحقيق الحرية الإعلامية لضمان عدم التلاعب بالانتخابات ولبناء ديمقراطية حقيقية لا انتقائية، باكستانية لا أميركية لتحظى بتأييد الشعب.