قبل أيام قرر بعض الطلبة الجامعيين في تشيكيا إرسال رسالة إلى فاتسلاف هافل الرئيس السابق للبلاد ورمز الثورة المخملية التي أطاحت بالنظام الشيوعي في مثل هذه الأيام من العام 1989، باعتباره الشخصية التي شكّلت بالنسبة لكثيرين، وخصوصا للطلبة، مثلا أعلى يحتذى به فيما يتعلق بالنضال السلمي لتحقيق تطلعات وآمال الشعب المظلوم.

الرسالة التي استلمها هافل هذه المرة، والتي تعمّد الطلاب أن تتزامن مع ذكرى اندلاع الثورة المخملية، كانت مختلفة تماما عن آلاف الرسائل التي كانت توجه إلى عنوانه في السابق، حيث طغت عليها لغة النقد القوي،

وتميزت بجرأتها في مساءلة هذا الأديب الذي اضطر ذات يوم لنقل مشروعه الثوري المخملي إلى سدة الرئاسة، أملا بتحقيق التغيير المنشود الذي التصقت مسألة تنفيذه عمليا باسمه دون غيره من الأسماء اللامعة التي كانت معروفة أكثر منه في تلك الفترة مثل ألكسندر دوبتشيك وغيره.

ولعل أبرز ما حاول هؤلاء أن ينقلوه هو أن هافل قد خان بالدرجة الرئيسية المبادئ السلمية التي طالما روّج لها اثناء فترة النضال، وهي بطبيعة الحال المبادئ التي ميّزت الثورة المخملية عن غيرها من التحركات الثورية المرافقة في وسط وشرق أوروبا خصوصا والمعسكر الاشتراكي السابق عموما.

هذه «الخيانة» تمثّلت في المواقف المثيرة للخلاف التي تبنّاها هافل خلال وبعد فترة رئاسته، وأهمها موافقته على القصف العنيف الذي مارسه حلف الناتو ضد صربيا، وتأييده المطلق للغزو الأميركي ـ البريطاني للعراق، وحاليا موقفه المؤيد بشدة لإنشاء الدرع الأميركي الواقي من الصواريخ المعادية، لا بل مشاركته الفعالة في الترويج له والدفاع عن مبررات وجوده في تشيكيا تحديدا.

وبرغم اعترافنا باحتمال أن يكون هؤلاء الطلبة خاضعين بدورهم لتأثيرات مختلفة ساهمت بصياغة أفكارهم الناقدة، إلا أن اعتمادهم على المسألة الشعبية تحديدا أكسبهم نوعا من المصداقية التي قد نختلف في تقييمها بالطبع وفق انتمائنا الفكري أو الأيديولوجي.

فكاتبو الرسالة الذين يؤمنون بأنهم يتحدثون باسم آلاف الطلاب الآخرين، يعتقدون بأن هافل والنهج الذي يمثله أو يتعاطف معه والمتمركز في سدة الحكم ودائرة صنع القرار حاليا، يجب أن يكونوا آخر من يطعن بإرادة وتطلعات الشعب، وأن يترفّعوا بالدرجة الرئيسية فوق المبادئ الذاتية التي يعتمدون عليها لتبرير جموحهم نحو تكريس الواقع الانتمائي الجديد للبلاد.

وإذا تناولنا الأمور انطلاقا من المنطق الطلابي البريء من أية تأثيرات ايديولوجية أو غيرها، نصل لنتيجة مفادها أن المبادئ التي قامت عليها الثورة المخملية كانت بالفعل واضحة برفضها للمنطق العسكري في حل الأمور،

انطلاقا من الحقائق التاريخية الكثيرة التي اضطرت تشيكوسلوفاكيا السابقة لخوضها والتعامل معها، والتي كرّست مفهوما واضحا في رفض المغامرات العسكرية أيا كان لونها وطبيعتها، وهو ما أجبر قادتها على تأكيد رغبتهم بتبنّي الموقف «الوطني» المحايد البعيد عن جميع الأحلاف العسكرية.

ما شهدناه من تحديد للأولويات الاستراتيجية المختلفة ومنها بالطبع الانضمام إلى حلف الناتو في المرحلة التي تلت انتصار الثورة واستلام السلطة، هو في واقع الأمر ترجمة لمجموعة من الصراعات التي اندلعت في وقت لاحق بين القوى التي كانت تنضوي تحت لواء ما يعرف «بالمنتدى المدني» والذي شكل الإطار الجامع لكافة القوى المعارضة للنظام القائم، لكنها انفصلت عنه لاحقا لكي تتمكن من ترجمة المبادئ والأهداف التي كانت تؤمن بتنفيذها.

انطلاقا من ذلك يمكن الجزم بأن هافل لم يخن مبادئ الثورة المخملية بأي شكل من الأشكال، لأنه كان مؤمنا منذ البداية بضرورة تكريس الواقع الجيوسياسي الجديد للبلاد مهما كلّفه ذلك من ثمن، حتى لو اضطر «لمعاداة» قسم لا بأس به من الشعب، ورغم معرفته بأن موقفه ذلك سيساهم بخلق واقع تصادمي جديد على الخارطة السياسية الإقليمية أو الدولية.

وحسب المفهوم السائد لدى هافل أو التيارات السياسية الأخرى الحاكمة حاليا، فإن الأمور الحساسة تبقى بالتأكيد شأنا قياديا لا يخضع لأهواء الشعب ولا إلى الخيارات الشعبوية التي تستفيد منها الأحزاب في صراعاتها الانتخابية، وبالتالي فإن مسألة تحقيقها يجب أن تتم من خلال الآلية الديمقراطية المعمول بها في البلاد، لا أكثر ولا أقل.

لكن الفريد في ما نشهده في تشيكيا حاليا هو الانقسام الحاصل في فهم أهداف الثورة المخملية وانعكاس ذلك تاليا على الوضع السياسي والخيارات التي قررت قيادة البلاد تبنّيها انطلاقا من انحيازها إلى معسكر سياسي و(عسكري) مختلف كليا عن ذلك الذي كانت تنتمي إليه عشية انطلاق الثورة.

فبعض الطلاب ممّن يناقضون التوجه السياسي الحالي يزعمون بأن «الديمقراطية في البلاد أصبحت مهددة»، لأن القيادة تريد فرض القواعد العسكرية الأميركية في البلاد رغم أنف الشعب، وهي بذلك تناقض المبادئ الأساسية للثورة المخملية التي انطلقت أصلا للدفاع عن مصالح الشعب وللسماح له بالتعبير عن آرائه حيال كل القضايا المصيرية.

أما بعض القادة السابقين للحركة الطلابية في التسعينات والذين كانوا وقود الثورة ومحركها، فيزعمون اليوم بدورهم «أن الديمقراطية بخير» وأن ما نشهده حاليا من انفتاح على المشروع العسكري الأميركي ليس سوى استكمال لأهداف الثورة المخملية التي عبّرت عنها الجماهير في أكثر من مناسبة.

ويبدو بأن الخطأ الذي ارتكبته المجموعة الثانية هو تعمدها، وبشكل مسرحي غير مقنع، للتقليل من أهمية مواقف وتحركات المجموعة الأولى التي استشرفت الخطر الماثل بوجود القواعد الأميركية، لا بالخطر الإيراني أو الشرق الأوسطي المزعوم، والسعي بالتالي لحصرها ضمن قالب ايديولوجي يساري، باعتبار أن هذا القالب لا يزال يشكل الفزّاعة التاريخية الموثقة التي يمكن من خلالها إقناع الشعب بمنطق السياسة التي تروج لها الطبقة الحاكمة.

انه انقسام واضح إذاً في تحديد الأهداف التي قامت عليها الثورة، ويعكس بكل تأكيد فرزا حقيقيا بين القوى المصرة على الطابع «المخملي» للتطور في البلاد، وغيرها ممّن يطالب باستكمال الأهداف «الحقيقية» للثورة من خلال الاستمرار بالتكامل كليا مع المشروع الغربي، الأميركي تحديدا، مع كل ما قد يتطلبه ذلك من تضحيات على أكثر من صعيد، لا سيما ما قد يرافقه من تغيير حتمي للتطور من طابعه المخملي إلى نقيضه الذي سيكون مدججا بكل أنواع الصواريخ والأسلحة.

لقد تحول التحرك الطلابي في السابع عشر من نوفمبر عام 1989 إلى ما يشبه الزناد الذي أطلق الأحداث الثورية التاريخية التي استكملت مشروعا إصلاحيا شاملا جرف الكتلة الشرقية بسرعة تفوق سرعة أي «تسونامي» طبيعي. فهل سيتحول التحرك الطلابي الحالي إلى حدث تاريخي مماثل يؤدي إلى تغيير ـ أو على الأقل تعديل ـ مسار المشروع الأميركي في أوروبا؟ .

كاتب لبناني