بدأ الاهتمام العربي بمشكلة هجرة العقول من الدول العربية للخارج في أواخر الستينات من القرن الماضي، وتصاعد في السبعينات، وذلك بعد الطفرة النفطية الأولى وما نتج عنها وترتب عليها من اتساع نطاق الخدمات والنشاطات الاقتصادية وتنوعها.
إذ تسببت تلك الطفرة في حدوث هجرات للعمالة العربية من الدول غير النفطية للدول النفطية، شملت الكفاءات العلمية والفنية وعمال الخدمات، حيث قام هؤلاء بتحمل الجزء الأكبر من مسؤوليات البناء العمراني والاقتصادي والتعليمي في الدول التي هاجروا إليها.
إلا أنه بالرغم من الاهتمام العام بدور المتعلمين من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات ومدرسين ومدراء بنوك وشركات في الإسهام الفاعل في تنمية اقتصادات الدول العربية النفطية وتوفير الخدمات لشعوبها، فإن اهتمام الدول المستوردة لتلك الكفاءات بقي محصورا ضمن المحاضرات العامة وبعض المقالات الصحفية،
إذ لم تحاول تلك الدول دراسة الظاهرة وتنظيمها وتحديد مدى أهمية الكفاءات الوافدة بالنسبة لحاضرها ومستقبلها. إلى جانب ذلك، لم تحاول الدول المصدرة لتلك الكفاءات توجيه الاهتمام إليها أو العمل على تنظيمها ودراسة كيفية تعظيم الفائدة منها، وذلك بالرغم من أنها أصبحت تعتمد على صادراتها من العمالة اعتمادا كبيرا ومتزايدا.
ويعود عدم الاهتمام بقضية هجرة العقول في الدول العربية المصدرة والمستوردة لتلك العقول لأسباب سياسية وأمنية واجتماعية. ومن تلك الأسباب خوف أنظمة الحكم في الدول المستوردة من قيام الوافدين بنشاطات سياسية قد تهدد أمن النظام، ومن احتمالات انخراطهم في أعمال تجارية واستثمارية وبنكية قد تمهد الطريق أمامهم للسيطرة على جزء من الاقتصاد الوطني.
من ناحية أخرى، كانت الدول المصدرة لتلك العقول ولا تزال غير معنية بأحوال رعاياها من العاملين في الخارج، وميالة لعدم السماح لهم بالعودة وممارسة نشاطاتهم الفكرية بحرية. ويعود ذلك لأسباب أمنية واقتصادية بحتة تتعلق بالخوف من أفكار هؤلاء ونشاطاتهم السياسية والثقافية أحيانا، ولأن في هجرتهم ضمانة لعوائد مالية كبيرة تساهم في دعم الاقتصادات الوطنية.
وحين اكتملت مؤسسات وأجهزة الدولة العامة، وهي البيروقراطية، والجيش، والبوليس، وأجهزة المخابرات، والإعلام، أصبح بإمكان الدولة السيطرة على كافة شؤون الحياة، وإرهاب الناس وتزييف وعيهم والتجسس عليهم، وذلك بغض النظر عن اهتماماتهم وطبيعة النشاطات التي يقومون بها.
ومن خلال استخدام جزرة الترغيب وعصا الترهيب استطاعت الدولة تطويع منتقديها، وملاحقة أعدائها، وكبت دعاة التغيير، ودفع الكثيرين من المثقفين للهجرة للخارج. وفي الواقع، قامت بعض أنظمة الحكم العربية بتشجيع هجرة العقول من خلال اللجوء لسياسات التجويع الاقتصادي والحرمان الوظيفي والكبت الفكري والعزل الثقافي والسياسي.
تعاملت معظم أنظمة الحكم العربية مع كل مفكر ومثقف ملتزم على أساس «هو يفكر إذن هو خائن»، وعقاب الخائن هو السجن أو التعذيب أو النفي. ولقد ساهمت مجموعات المثقفين التقليديين، المسلمين المتشددين دينيا والقوميين المتعصبين عقائديا في محاربة أصحاب الرأي الحر والأفكار الخلاقة، مما جعل تلك المجموعات تتعاون مع أجهزة القمع الحكومية وتساهم دون وعي في الحفاظ على التقليد وما يعنيه من تخلف علمي وكبت سياسي وجمود ثقافي.
ومنذ بدايات عصر المعرفة قبل حوالي الربع قرن، بدأت العديد من الدول تعترف بأن تخلف نظم التعليم في بلادها وانعدام الحرية ومحاربة الفكر الخلاق كانت مسؤولة عن هجرة عقولها الفذة، وتخلفها عن العصر كثيرا، وتبعيتها للدول الصناعية تبعية كاملة.
ولقد كانت الدول العربية عامة من بين الدول التي فشلت في تصحيح أوضاعها المجتمعية واستيعاب أهمية السير على خطى الدول الآسيوية سريعة النمو. وبالرغم من أن بعض الدول العربية خطت خطوات لا بأس بها على طريق إصلاح نظم التعليم الثانوية، إلا أنها أهملت دور قيم الإنتاج والعمل، وسمحت بتنامي قيم الاستهلاك والتفاخر، وتواطأت مع رأس المال في تحويل معظم المؤسسات التعليمية والصحية إلى مؤسسات تجارية همها الأول والأخير تحقيق الربح على حساب المواطن وصحته ومستقبل أبنائه.