بعد الرحيل الفجائي للسيدة بنازير بوتو من المسرح السياسي الباكستاني لم يعد أمام الولايات المتحدة خيارات سوى مواصلة دعم النظام الذي يترأسه الجنرال برويز مشرف، مع ما يعني ذلك من ركوب واشنطن مخاطرة سياسية جسيمة.

فاختفاء بوتو من المشهد بشخصيتها الكارزمية يعني نسف الخطة السلطوية التي أعدتها إدارة بوش وشرعت بالفعل في تطبيقها. فالخطة تقوم على إنشاء صيغة حكم تتشارك فيها بوتو مع الجنرال، وصفوة القول إن الإدارة الأميركية أصبحت الآن في حيرة من أمرها وأمر باكستان.

يقول ستيفن كوهين الباحث في معهد «بروكنغز» في واشنطن معلقاً على الوضع الباكستاني الناشئ بعد اغتيال السيدة بوتو: «أصبح الوقت متأخراً على الأرجح كي تتمكن أميركا من فعل شيء. وضعنا رهاننا كله على مشرف وبوتو.. والآن ذهبت بوتو».

وكان أنتوني كوردسمان المحلل الأمني بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أكثر صراحة ووضوحاً. فقد قال «إن مقتل بوتو زاد بدرجة كبيرة من وضع سياسي مضطرب للغاية». وأضاف: «ليس هناك شخصية يمكننا العمل معها لها هذه القدرة الفورية على محاولة تحقيق الاستقرار السياسي، وترأب الصدع الذي اتسع بين مشرف والشعب الباكستاني».

هذا هو إذن لب المعضلة التي تواجه الولايات المتحدة: كيف يمكن سد الفجوة المتنامية بين الجنرال الدكتاتور والشارع الباكستاني بما يمكن الجنرال من مواصلة المشاركة الباكستانية في «الحرب الأميركية على الإرهاب»؟.

ويجوز إعادة طرح التساؤل الأميركي بصيغة أخرى: كيف يمكن إضفاء صيغة من الشرعية الديمقراطية على نظام الجنرال دون تعريضه للسقوط؟ ومن هنا كانت المراهنة الأميركية على بنازير بوتو وهي في المنفى الاختياري وفق الخطة الموضوعة للشراكة السلطوية للسيدة بوتو مع الجنرال مشرف.

ومن الإنصاف أن نقول: إنها خطة لا ينقصها الذكاء والدهاء. فإضافة إلى أن السيدة بوتو كانت تتزعم حزباً سياسياً كبيراً ـ «حزب الشعب الباكستاني» ـ ذا قاعدة شعبية لا يستهان بها فإنها كانت أيضاً زعيمة ذات اهتمام بالأجندة الأميركية أكثر من اهتمامها بالمصالح الحيوية لشعب بلادها، ومن هذا المنظور فإنها كانت صنواً مدنياً للجنرال مشرف.

لكن عيب الخطة الأميركية هو اعتمادها على «شخصية» وليس على كتلة سياسية شعبية. فحزب الشعب الباكستاني اعتمد في بقائه على قيادة تنحصر في آل بوتو ابتداءً من ذو الفقار علي بوتو والد السيدة بنازير ومؤسس الحزب، ومع رحيل السيدة يمكن القول إن الحزب أصبح بلا قيادة. فالسيدة بنازير هي آخر آل بوتو من ذوي القدرات القيادية، فالبقية ـ مثلهم مثل القيادات الأخرى من خارج الأسرة ـ ليسوا سوى صغار لا خبرة لهم بالسياسة.

وإذن مع رحيل بوتو تراجعت السياسة الأميركية تجاه باكستان إلى المربع الأول.. مربع الجنرال مشرف، وبالتالي إلى طاولة الرئيس بوش السؤال الأساسي: ماذا نحن فاعلون بالجنرال مشرف؟ هل نواصل دعم دكتاتور مهدد بالسقوط في أي لحظة؟

وإذا رفعنا يدنا عنه فما هو أو من هو البديل الملائم للحرب الأميركية على الإرهاب؟ وبطبيعة الحال فإنه بالنظر إلى الوضع المتدهور في باكستان فإن إدارة بوش أصبحت الآن في سباق مع الزمن.