إذا كانت قاعدة «السابق يحدد اللاحق» صحيحة في هذه اللحظة الانتقالية؛ فإن العام الجديد الذي دخلناه، قد يجعلنا نترحم على سلفه؛ ولو أنه كان من الصنف غير المأسوف عليه، فالذي فات كان عام هبوط بامتياز، مشاكله وأزماته وهمومه، جرى ترحيلها إلى خلفه، خاصة في منطقتنا، والانتقال في الزمن لا يخفف من حدتها. على العكس هو يساهم في مراكمة تعقيداتها وفي سماكة جدران انسداداتها، وبذلك يزداد ثقلها وبالتالي مخاطرها.

ينطبق ذلك على كافة الساحات المأزومة من فلسطين إلى العراق مروراً بلبنان وانتهاء بباكستان، فالشرق الأوسط في حالة غليان، الاغتيال مستفحل ويهدد بالانفلات الجنوني، اغتيال الرموز والحلول ومشاريع التسوية، بل احتمالاتها؛ فضلاً عن الآليات والدساتير والأعراف.. وصناديق الانتخاب. وحده العنف يتربع على مقعد الحل والربط، في البؤر الملتهبة. هو الآمر الناهي.

في غالبية هذه الساحات لغة الحوار مقطوعة، في أحسن أحوالها مفخخة وكما هو معلوم الصراعات الدائرة المحتدمة، يتداخل فيها البراني مع الداخلي، إلى حد الالتباس، ضاعت المعايير، ناهيك بالبوصلات، والأوضاع إما أنها تعيش جحيماً وإما أنها مفتوحة عليه، والاندفاع في الأجندات الخاصة والحسابات الضيقة، ألغى الفواصل ومحا الخطوط المنبهة،

وثمة حالات تبخرت فيها حتى الخطوط الحمراء، وصار كل شيء مباحا وكل وسيلة وكل خطاب، والداخل تحول إلى جبهات من الأعداء، الأمر الذي أدى أو هو في الطريق إلى أن يؤدي إلى سقوط الممنوعات وصمامات الأمان الوطنية، وعليه فإن انتقال هكذا معادلة مختلّة من عام إلى آخر، لا يغيّر في الأمر شيئا ما لم تتغير المعطيات أو تستجد أخرى مكانها، الأمر الذي لا تبدو احتمالاته مرجحة، حتى الآن.

لكن مقابل هذه المعادلة القاتمة هناك نقاط ضوء في المشهد العام. الأولى تطغى عليه، لكنها لا تختصره، خاصة على الجبهة الخليجية حيث اللوحة مختلفة، بل هي على النقيض، بمعطياتها الواعدة؛ من الطفرة العمرانية غير المسبوقة والجارية بوتائر متسارعة وباهرة؛ إلى السوق الخليجية الموحدة القادمة على التطبيق بعد موافقة قمة التعاون الأخيرة، عليها، ويصبّ في هذا المجرى ويعززه الارتفاع الثابت بل المتزايد في أسعار النفط، الذي تتحول مردوداته إلى مشاريع تنمية كفيلة بنقل المنطقة إلى محطات متقدمة في الخارطة الدولية.

في خارج الشرق الأوسط، تحتشد عدة استحقاقات مهمة في روزنامة العام الجديد، لعلّ أهمها الانتخابات الرئاسية الأميركية، في نوفمبر القادم؛ وما تنطوي عليه من تغيير محتمل في الإدارة والسياسات، كما تسبقها انتخابات لا تقل أهمية، في روسيا لرئيس جديد محل الرئيس بوتين؛

وان كان من غير المتوقع أن يرافق ذلك أي تغيير ملحوظ في السياسات والتوجهات الروسية التي جعلت من موسكو رقماً وازنا استعاد ما يكفي من الثقل الذي يجعله محسوساً على ساحة التوازن الدولي.

وإذا كانت الصين على موعد تاريخي في صيف هذا العام، مع الألعاب الاولمبية كبلد مضيف لها؛ فان موضوع تايوان قد ينغص عليها هذه الفرصة إذا ما أصرّت هذه الأخيرة على تقديم طلب انتساب للأمم المتحدة كدولة مستقلة، طبعاً يتوقف ذلك وإلى حدّ بعيد، على الموقف الأميركي من هذه الخطوة. وهذا بدوره مرهون بمدى عافية العلاقات بين بكين وواشنطن.

وإذا كانت حمولة 2008 من الأزمات ومشاريعها وفيرة فان المشكلات الاقتصادية التي تمّ أيضا ترحيلها إليه ليست أقل ثقلاً، خاصة تلك التي نجمت عن أزمة العقارات والقروض في أميركا وما استتبع ذلك من ضمور في قيمة الدولار وحركة الإقراض والتسليف.

الرحلة رقم 2008 أقلعت. كل المؤشرات تقول إن الطريق حافلة بالمطبات والتحديات. حتى في المحطات الواعدة، لا تبدو التحديات سهلة. وحدها العودة إلى لغة الحوار والتعاون تضمن السلامة والأمان.. وإلا شدوا الأحزمة.