نعم، 400 مليون أوروبي يستطيعون اعتباراً من منتصف ليلة الجمعة 21 ديسمبر ـ 2007 الانتقال داخل مساحة شاسعة من القارّة دون أن يصادفوا أيّة حدود، وغالباً دون أن يدركوا أنهم قد تجاوزوا أراضي دولة إلى دولة أخرى من الدول الموقعة على اتفاقية «تشنغن». وقليل من التاريخ هنا قد يكون مفيداً.

«تشنغن» هو اسم قرية حدودية صغيرة في لوكسمبورغ كانت قد شهدت عام 1985 توقيع خمس دول أوروبية هي ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ على اتفاق للرفع التدريجي للرقابة على الحدود فيما بينها. كان الهدف مزدوجاً ؛ فمن جهة تشجيع حرية الانتقال داخلها، ومن جهة أخرى تعزيز الأمن الجماعي على حدودها الخارجية. وفي عام 1995 كانت قد انضمّت بقية البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى «اتفاق تشنغن».

ولكن أيضاً بلدان غير أعضاء مثل النرويج وايسلندا ؛ وسوف تنضم له سويسرا ، كما هو مقرر، في نوفمبر من عام 2008. الاستثناءان الوحيدان هما بريطانيا وايرلندا اللتان احتفظتا بالرقابة على حدودهما منذ البداية. وقبرص التي لا تريد أن يكون الخط الفاصل مع القسم الشمالي «التركي» من الجزيرة هو حدودها الخارجية.

إجراء رفع الحدود يمكن وصفه ب«التقني» ،بمعنى انه مجرّد تنفيذ لاتفاق سابق. ولكن هذا لا ينفي انه ذو قيمة رمزية عالية، بل وقيمة سياسية عالية أيضاً. ذلك أن مواطني ثمانية بلدان من بلدان الكتلة السوفييتية السابقة الذين كانوا قد عرفوا ولمدة تقارب النصف قرن معنى الحواجز البيروقراطية والأسمنتية والأسلاك الشائكة. ألم يفقد الآلاف حياتهم عندما حاولوا اجتياز جدار برلين من شرق المدينة إلى غربها؟.

الجدران الأسمنتية والأسلاك الشائكة وتأشيرات الخروج والدخول، هذا كله أصبح من «متاع» الماضي وذكرياته. ولا شك أن «سقوط» الحدود يمثل واقعاً سياسياً جديداً هاماً بالنسبة لاندماج شعوب بلدان أوروبا الوسطى والشرقية في إطار الاتحاد الأوروبي الذي دخلته عام 2004. حريّة الانتقال أمر حيوي وهام وهي تولّد دينامية اقتصادية وثقافية و«سياحية» أكيدة. ولكن تبقى حريّة العمل، بمعنى أن تفتح بلدان أوروبا الغربية الغنية أسواق عملها لليد العاملة من أبناء بلدان أوروبا الوسطى والشرقية.

السوق الأوروبية المشتركة أصبحت حقيقة منذ فترة طويلة ...و«اليورو» أصبح عملة موحّدة وقوية للعديد من البلدان الأوروبية التي اعتمدته بدلاً من عملتها الوطنية...وحرية انتقال الأفراد دخلت حيّز التطبيق قبل أيام أفلا يمكن القول ان سوق العمل الحر يلوح في الأفق؟. ومثل غيره من الخطوات الجوهرية الأخرى في مسيرة التوحيد الأوروبي التي أثارت الكثير من الجدل كضم أعضاء جدد وتبني اليورو والعلاقة مع الحلف الأطلسي ،أثار إجراء رفع الحدود «الداخلية» في أوروبا بعض المحاذير والمخاوف.

هكذا ارتفعت أصوات عديدة تشير إلى أن المافيات والمهرّبين والشبكات الإجرامية المنظّمة ستستفيد من الوضع الجديد. ثم ان الهجرة غير الشرعية سوف تزدهر إذ يكفي الوصول، وبأية طريقة، إلى أي بلد أوروبي لا يحسن الرقابة على حدوده من أجل الانتقال دون أية رقابة إلى حيث يكون القصد. وكانت مسألة «السبّاك البولندي» المؤهّل ورخيص الأجر، كرمز لأفواج العاملين الذين سيفدون من البلدان الشيوعية السابقة نحو أوروبا الغربية، قد أثارت، ولا تزال تثير، الكثير من النقاشات في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية الغنية.

ولا شك أيضاً أن إلغاء كل رقابة داخل مجال «تشنغن» أثار مخاوف «لا عقلانية أحياناً» لدى المناطق القريبة من الحدود السابقة. هكذا مثلاً عرفت مناطق في ألمانيا والنمسا ارتفاعاً كبيراً في مبيعات أجهزة الإنذار والأبواب المدرّعة. لم تكن شركات الإنتاج والبيع وحدها وراء تلك الظاهرة ...ولكن أيضاً أجواء الخوف من «القادمين» الجدد.

ولكن ينبغي عدم نسيان أن إجراء رفع الحدود يترافق مع تعزيز الرقابة على الحدود الخارجية وتبنّي منظومة للتعاون بين أجهزة الشرطة والقضاء وجميع الأجهزة المعنية بمسائل الأمن. وعلى الصعيد الأوروبي الداخلي فإن الحدود لم تكن أبداً في أوروبا، وبشهادة مسؤولي «الأوروبول» أي المعادل الأوروبي لـ «الأنتربول»، أداة فعّالة حقيقة في مكافحة الجريمة المنظّمة ...بل ولم يكن جدار برلين نفسه عائقاً أمامها.

الآن ونحن نشهد أمامنا شريط الأحداث المتلاحقة، منذ انهيار جدار برلين قبل 18 سنة وما تلاه من إزالة «الستار الحديدي» الذي شطر القارّة إلى معسكرين طيلة عقود عديدة ووصولاً إلى إلغاء كل رقابة حدودية بين بلدان المجال الأوروبي «الموحّد» وأعداء الأمس القريب، هل يحق لنا أن «نتصوّر» وربما أن «نحلم» أن ينتقل العربي يوماً ما من مراكش إلى بغداد دون أن يوقفه حرس الحدود 20 مرّة؟!.

دروس التاريخ تسمح بمثل هذا الحلم. فمنذ أواسط القرن التاسع عشر وتحديداً في عام 1849 كتب الشاعر ورجل السياسة الفرنسي الكبير فكتور هوغو، «مخاطباً» الأمم الأوروبية، ما يلي: «يا فرنسا وروسيا وايطاليا وبريطانيا وألمانيا وجميع أمم القارّة الأخرى سوف يأتي اليوم الذي ستقمن فيه وحدة عليا وسيتحقق الإخاء الأوروبي، دون أن تفقد كل امّة سماتها الخاصّة وشخصيتها المتفرّدة العظيمة».

صحيح قامت بعد ذلك حربان كونيتان انطلقت شرارتهما من أوروبا، وصحيح أن روسيا لا تزال بعيدة عن «الجوقة» الأوروبية، وصحيح أن حواجز «نفسية» على قاعدة التاريخ والمصالح لا تزال تواجه بعض الأوروبيين، وصحيح أن الشعوب الأوروبية كانت بعيدة عن صنع القرارات وعن النقاشات الأساسية لاسيما فيما يتعلق بتوسيع إطار الاتحاد الأوروبي. هذا كله صحيح لكن من الصحيح أيضاً أن اليوم لم يعد شبيهاً بالبارحة .. فأوروبا عرفت كيف تتقدّم وبقية الدرب ليست مفروشة بالورود.

من مراكش إلى بغداد إذن وبلا رقابات على الحدود «أيها الأخوة»؟؟!!. لا شك أن مساعي بلدان مجلس التعاون الخليجي نحو إيجاد أطر مشتركة، بل وعملة موحّدة تمثّل توجهاً متفرّداً في الإطار العربي العام الذي تتراخى كل أواصر جمع كلمته. الحلم اليوم عند المواطن في عالمنا العربي لا يرقى غالباً إلى أكثر من الحصول على تأشيرة دخول«فيزا» إلى بلد شقيق أو أحياناً الحصول على تأشيرة «خروج» من بلده.

400 مليون أوروبي ينتقلون كما ومتى يشاءون داخل حدود أوروبا. هذا ليس مجرّد رمز وإنما هو تعبير عن فعل سياسي عميق. وتشاء الصدفة في لحظة الانتهاء من كتابة هذه السطور أن تصدح أم كلثوم بأغنية «على بلد المحبوب ودّيني ، زاد......». هذا أيضاً كلام في السياسة، بل وفي قلب السياسة.

كاتب سوري ـ باريس