لن يتضح مشهد النظام الرسمي العربي من دون الإجابة على السؤال التالي: هل باتت المتطلبات الأمنية لمشروع الكيان الصهيوني أولوية مطلقة على أجندة بعض المكونات الأساسية لهذا النظام المفروض بفضل رافعة خارجية يبدو أنها أصبحت قادرة، من خلال وسطائها ووكلائها المحليين، على العبث بأبسط شؤون الناس الذين يعيشون في هذا الجزء من العالم كما يحلو لها؟

تلك العبثية لم تعد تشكل مجرد تعبير يستخدمه المثقفون عندما يطيب لهم التحليق في أجواء اللغة العربية الغنية بمفرداتها ومعانيها، بل أصبحت تشكل إحدى المفردات الرئيسية لحياة الناس وهمومهم بعد أن فارقتهم مفردات الحياة المنطقية طوال ردح من الزمن.

لكن هذه العبثية لا تشكل عالما قائما بذاته ولا يمكن اعتبارها إحدى مقدمات الحياة، بل إنها مجرد نتيجة لما آلت إليه أوضاع مراكز الاحتكار في العالم التي لا تعترف لا بالهويات ولا الجنسيات ولا حتى بالأديان ما عدا الهوية الإسرائيلية والديانة اليهودية. فكل شيء مسموح في ظل احترام ما يسمى حق الدولة العبرية بالوجود والحياة في ظل ظروف أمنية آمنة حتى لو جاء ذلك على حساب الملايين من سكان المنطقة.

ولا يكاد يمضي يوم واحد إلا وتسجل فيه واقعة تعزز هذا الواقع الملموس بقوة بين سائر جنبات الأنظمة السياسية العالمية والإقليمية وحتى بعض الأنظمة المحلية، فلقد شهد الأسبوع الأخير فقط ثلاث وقائع على جانب كبير من الخطورة في ثلاثة أماكن متفرقة من المنطقة التي يحلو للبعض تسميتها بمنطقة الشرق الأوسط، والقاسم المشترك بينها جميعا يكمن في كون كل منها يتعلق بأحد المتطلبات الاستراتيجية الخاصة بالأمن المزعوم للدولة العبرية العتيدة.

الواقعة الأولى تمثلت في توطين ألفي فلسطيني في إحدى ضواحي العاصمة السودانية الخرطوم، الأمر الذي يصب في خانة أحد أبرز المبادئ العدوانية التي قام على أساسها المشروع الصهيوني في فلسطين والذي ادعى في البداية أن هذا الجزء من الوطن العربي هو أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.

وبعد أن اتضح العكس راحت الدولة العبرية بعد إنشائها تبذل قصارى جهدها لإفراغ أرض فلسطين من سكانها الأصليين وخاضت من أجل تحقيق هذا الهدف العديد من الحروب الكبرى وفرضت العديد من السياسات الأمنية القمعية والتهجيرية والتجويعية، في محاولة منها لتغيير الوجه الديموغرافي للمنطقة.

الواقعة الثانية تصب في الاتجاه الديموغرافي عينه وتمثلت في تهريب عدد من اليهود الإيرانيين إلى (أرض الميعاد)، الأمر الذي يشكل الوجه الآخر من عملة تفريغ فلسطين من سكانها وإحلال المزيد من يهود العالم مكانهم.

واللافت في هذه الواقعة هو أنه على الرغم من الغموض الشديد الذي أحاط بهذه العملية التي وصفت بالسرية وملابساتها التي يشتم منها بوضوح رائحة مؤامرة ما أحيكت حتى يتمكن هذا العدد من اليهود من الوصول إلى وجهتهم، إلا أن أحدا من مكونات تلك الأنظمة لم يتحمل عناء مجرد طرح السؤال أو المطالبة بالكشف عن كيفية ظهورهم «على حين غرة» وسط مطار تل أبيب.

الواقعة الثالثة كان مسرحها مينائي العقبة الأردني ونويبع المصري وضحاياها عدد كبير من الحجاج الفلسطينيين العائدين من أرض الحجاز بعد تأدية مناسك الحج والذين وجدوا أنفسهم عالقين في عرض البحر الممتد بين هذين الميناءين العربيين ليس بعيدا عن ميناء إيلات الإسرائيلي، أما بطلها الصوري.

فورقة رسمية صادرة عن السلطات المصرية تنص على تعهد بالمرور عبر معبر كرم أبوسالم وليس معبر رفح على وجه التحديد ويتعين على كل حاج يرغب في أن تدوس قدماه اليابسة التوقيع عليه، الأمر الذي ينطوي على تكرار لمشهد المقاتلين الفلسطينيين الذين حاصرهم جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ أعوام في كنيسة المهد في مدينة بيت لحم وفرض عليهم أحد خيارين: إما تسليم أنفسهم أو الرحيل عن الضفة الغربية باتجاه المنافي أو باتجاه قطاع غزة ولا يزالون عالقين هناك مع غياب أي بصيص أمل بعودتهم إلى ديارهم.

هذه الوقائع الثلاث، التي تشكل غيضا من فيض السياسات العدوانية الصهيونية المسكوت عنها، تكاد تنطق وتبوح بمكنونات المشروع الصهيوني وتوجهاته الحقيقية المعلن عنها جهارا وعلانية بقوة شديدة تنتفي معها مسوغات أي محاولة لتحليل واقع ومستقبل القضية الفلسطينية وتنزع أي سمة منطقية عن مجريات الأحداث الجارية في المنطقة والعالم وتعيدها إلى مربعها العبثي الأول الذي تحتل مكان الصدارة فيه تلك المراكز الاحتكارية العالمية وفي القلب منها الحركة الصهيونية العالمية.

bassil@albayan.ae