يمثل اغتيال بنازير بوتو ذروة جديدة في وضع داخلي متأزم أصلا في باكستان منذ فترة ليست بالقصيرة. لكن هذه الذروة التي تتوج سلسلة المصاعب التي تواجه الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف قد تجعل باكستان على شفير الفوضى التي لن يتفادها الباكستانيون إلا بمعجزة.
وعلى الرغم من الاغتيال ليس جديدا في تاريخ باكستان حيث قضى رؤساء وزعماء باكستانيون اغتيالا وإعداما مثلما هو مصير أشقاء بوتو ووالدها ذو الفقار علي بوتو وخصمه الجنرال ضياء الحق، فإن اغتيال بنازير بوتو قد يشكل اكبر أزمة تواجهها باكستان.
وإذ أعلنت السلطات الباكستانية أن تنظيم القاعدة يقف وراء اغتيال بنازير، فإن هذا الاتهام يرسم أولوية أساسية في جدول أعمال حكومة مشرف الآن وفي المستقبل المنظور. فهذا الاتهام يرسم الخطوط العريضة في تحركات حكومة مشرف وسياستها الداخلية، كما أن له تبعات محددة وواضحة لكنها خطرة للغاية: «حرب على تنظيم القاعدة».
الحرب على تنظيم القاعدة قد لا تكون جديدة منذ أن أعلن الجنرال مشرف انضمامه لهذه الحرب غداة 11 سبتمبر 2001. لقد كانت خيارا مكلفا لمشرف وسببا رئيسيا في سلسلة الأزمات التي تعيشها باكستان منذ فترة ليست بالقصيرة. وللمضي قدما في هذه الحرب كلفة إضافية يدركها الجنرال مشرف جيدا، لكنه وفيما يبدو أصبحت خياره الوحيد.
فهذا الخيار يعني بالدرجة الأولى الوسيلة التي يمكن أن تثبت فيها حكومة الجنرال مشرف مصداقيتها لا لأنصار حزب الشعب الباكستاني وأنصار عائلة بوتو الذين شككوا في الرواية الرسمية واعتبروها «جملة من الأكاذيب» ولا للفرقاء الآخرين، بل لعموم الباكستانيين بالدرجة الأولى.
وبالمقابل فإن هذا الخيار يبدو وكأنه أمل أخير في الحفاظ على دعم الولايات المتحدة طالما ان خيار الدمقرطة وإضفاء المزيد من الطابع الديمقراطي على البلاد يشكل خيارا له تبعات وأعراض جانبية خطرة ليس اقلها الحد من سلطة الرئيس او ان تجلب صناديق الاقتراع خصوم الرئيس الى السلطة. على هذا، يبدو خيار الحرب على تنظيم القاعدة اهون الشرين في هذه الحال.
يكتسب هذا الخيار أهمية من نوع ما بالنسبة للرئيس مشرف، فهو يبدو الخيار المفضل للإبقاء على دعم الولايات المتحدة له، وموت بنازير بوتو على هذا النحو الدراماتيكي يمثل في احد جوانبه فرصة لحسم تردده في هذا الصدد قد تعينه على تلافي الشكوك التي عبر عنها بعض مسؤولي الإدارة الأميركية من أن الجنرال مشرف لا يحارب الإرهاب بما فيه الكفاية.
وعلى الرغم من أن اغتيال بوتو بكل الدراما التي صاحبته يعطي الجنرال مشرف حججا قوية أمام الباكستانيين ليشن حربا على تنظيم القاعدة، فإن هذا الخيار سيبقى خيارا خطرا، لأن الأسباب التي دفعت الجنرال مشرف وحكومته لضبط إيقاع الحرب على تنظيم القاعدة وموازنة تحركاته في هذا الصدد هي نفسها التي ستطل من جديد. فمن الصعب خوض هذه الحرب في باكستان التي يملك تنظيم القاعدة فيها نفوذا متعاظما ليس مرده تحالفات سياسية بل تأثيرا عميقا في قطاع واسع من الباكستانيين أظهرت تجارب السنوات الماضية حجمه وتأثيره وفعاليته.
لكن خيار الحرب ضد تنظيم «القاعدة» قد يملك سبباً وجيها آخر هو ذاك الذي أفصحت عنه الصحف الأميركية يوم الجمعة 28 ديسمبر. فصحيفة «واشنطن بوست» تقول إن «عودة بوتو إلى باكستان كان نتيجة أكثر من سنة من المفاوضات السرية التي أجراها الأميركيون وبدأت عندما تبين بشكل واضح ان وريثة أكبر أسرة سياسية في باكستان كانت الشخص الوحيد الذي يمكن ان ينقذ الحليف الأساسي لواشنطن في مكافحة الإرهاب». (وكالة الصحافة الفرنسية، 28 ديسمبر).
وتزيد البوست بقولها «ان جون نيغروبونتي الرجل الثاني في الخارجية الأميركية زار إسلام اباد في سبتمبر الماضي» ونقلت (واشنطن بوست) عن ضابط سابق في الاستخبارات الأميركية (سي اي ايه) هو بروس ريدل قوله ان نيغروبونتي «نقل إلى مشرف رسالة تفيد اننا (الولايات المتحدة) مازلنا في صفه لكنه (مشرف) بحاجة إلى واجهة ديموقراطية لحكومته وكنا نعتقد ان بنازير هي أفضل شخص لذلك».
أما صحيفة «يو اس ايه توداي» فتقول «ان الولايات المتحدة كانت تأمل ان تتمكن بوتو من الوصول الى السلطة اثر الانتخابات المقبلة (..) ومن تعزيز المؤسسات الديموقراطية».(المصدر السابق). وتضيف «هذه الاستراتيجية انتهت باغتيال بوتو». أما خيار واشنطن الآن حسب صحيفة «فلادلفيا انكوايرر» فهو «انها لم تعد قادرة بعد اغتيال بوتو على الانفصال عن مشرف» معتبرة «ان المخاطر التي تواجهها الولايات المتحدة حاليا هائلة».
في كل الأحوال، فإن العدو هو نفسه أمام مشرف والولايات المتحدة، فهل يدفع هذا إلى تعزيز التحالف بينهما أم أن هذا التحالف قد تكون له كلفة إضافية على الجنرال مشرف أيضا؟
كاتب بحريني
