عبارة «الانقلاب المستمر» التي استعملها زعيم المعارضة اليسارية الفرنسية فرنسوا هولندا لوصف سياسات الرئيس نيكولا ساركوزي عبارة دقيقة وصحيحة، لأن الرجل بالفعل يقوم بانقلابات «دستورية» مستمرة لا تتوقف ولا تمنح خصومه هدنة.
والدليل الأخير لدى مخالفيه جاء في الخطاب الذي خصصه الرئيس للدبلوماسية الفرنسية وألقاه أمام 180 سفيرا فرنسيا يمثلونه في دول العالم جاؤوا لسماع التعليمات الجديدة حول أبرز الملفات الدولية التي يعايشونها في سفاراتهم في القارات الخمس والتزود بالخطوط الكبرى للسياسة الفرنسية الخارجية كما رسمها نيكولا ساركوزي بمساعدة وزيره للخارجية الدكتور برنار كوشنار المعارض القديم والقادم من الضفة الاشتراكية والقافز في الضفة الليبرالية للدولة الساركوزية الناشئة.
نعم! لقد رسم الرئيس ملامح شديدة الوضوح لخارطة طريق دبلوماسية تغير بعمق ما عهده المراقبون من مفاصل العلاقات بين فرنسا ودول العالم وبخاصة بين فرنسا والعرب والمسلمين وهو ما يهمنا بالدرجة الأولى. ولنبدأ بأهم تحول مفاجيء في موقف ساركوزي من الولايات المتحدة. وقد كان هذا الموقف قبل انتخاب الرجل على عرش الجمهورية محل جدل طويل حينما أدى المرشح ساركوزي وهو وزير داخلية زيارة إلى واشنطن.
وحظي باستقبال غير رسمي من قبل الرئيس بوش الذي صافحه وتبادل معه عبارات تشريفاتية في مكتب أحد مستشاريه ثم نشرت الصحافة الأمريكية والفرنسية تلك الصورة ليوظفها المرشح بذكاء في خدمة توجهاته الأطلسية المطمئنة لرأس المال المحلي والأوروبي. ولم يكن خافيا في تلك المرحلة بأن أحد المقربين من ساركوزي وهو النائب في البرلمان الفرنسي من الطائفة اليهودية بيار لولوش هو الذي سعى إلى تنظيم ذلك اللقاء والحرص على دعم الروابط الحميمة بين ساركوزي وإسرائيل..
ولكن الرئيس أمام سفرائه غير من تلك المعادلة المبرمجة ليعلن بأن العلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة ليست علاقات تبعية أو محاباة ولكنها علاقات تحالف وصداقة بدون مجاملة أو محرمات. وهنا يعود الرئيس الفرنسي الجديد إلى موقف أكثر اعتدالا مع العملاق الإمبراطوري، وهو ما يجعل العرب يرتاحون إلى قيام باريس برسالة ترجيح كفة الاتحاد الأوروبي نحو استقلال القرار حتى لا تذهب مصالح العراق وفلسطين ضحية قراءة أحادية غربية لأوضاع المنطقة وحتى تكون فرنسا عامل توازن ضروريا في الشرق الأوسط.
وبشأن العراق تحديدا طالب الرئيس الفرنسي بضبط أجندة أطلق عليها هو عبارة «الأفق الواضح» لانسحاب القوات الأجنبية من العراق، وهذا موقف جديد عما سبق أن نقله الخبراء عن وزارة الخارجية الفرنسية من موالاة غير مشروطة للقرار الأميركي مقابل إطلاق أيدي باريس في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وهنا أيضا نسجل بارتياح ميل باريس إلى موقف «ديجولي» أثبت منذ خمسين عاما أنه الأقدر على صيانة مصالح فرنسا في العالم العربي وهو ما عرف في الأوساط الدبلوماسية بالسياسة العربية لباريس. وتحدث الرئيس من جهة أخرى عن الملف الإيراني بلهجة ضبابية دبلوماسية إلى حدود إعلان الأمر ونقيضه حين قال بأنه يعارض حصول طهران على السلاح النووي ولكنه أيضا يعارض منع طهران من الحصول على ذلك السلاح بقوة الحرب.
وهو موقف بالطبع لا يجاري الحليف الأميركي الذي لم يستبعد في تصريحات بوش وتشيني استعمال الحل العسكري إذا لم تمتثل إيران لما يعرف بقرارات الوكالة الأممية للطاقة النووية. وحلل ساركوزي بعد ذلك الموقف الفرنسي من روسيا وبوتين ناصحا هذا العملاق بأن يتخلى عما سماه هو بأوراق العنف والمصادمة.
وهو يقصد التجاء موسكو للقوة في معالجة القضية الشيشانية أو سلوكيات بوتين إزاء الجمهوريات الروسية المتمردة ودول شرق أوروبا التي تحررت من المعسكر السوفييتي بعد انهيار الإمبراطورية الشيوعية نهاية الثمانينات. ثم أعلن ساركوزي عن مساندته لإنشاء قوة عسكرية أوروبية متحدة تكون مستقلة عن الحلف الأطلسي وتوفر للاتحاد الأوروبي حصانة دفاعية لا تتوفر اليوم سوى تحت الغطاء الأميركي.
هذه بعض ملامح خارطة الطريق الدبلوماسية الفرنسية الجديدة ولا بد أن يتناولها الدبلوماسيون العرب بالبحث والاستعداد لتغيير بعض الحقائق الجاهزة ولا يتسنى لهم ذلك إلا بالتنسيق العربي وسد الثغرات الواسعة التي يدخل منها أعداء العرب إلى قلوب وعقول الدول الغربية.
كاتب تونسي